يبدأ المؤلف عبد الرزاق عيد، كتابه، بحواراته مع من يسميهم بـ «رواد الهرطقة اليسارية» في سوريا، وهم: ياسين الحافظ، إلياس مرقص، صادق جلال العظم، جورج طرابيشي.

ويشير إلى أنه وعلى الرغم من أن الحافظ حاول إنتاج وعي مطابق بالواقع في ما هو عليه وما يمكن أن يكون عليه، وعلى الرغم من الجهد الذي بدأه لتأسيس نقد منهجي منظم، يذهب من نقد السياسة إلى نقد المجتمع، إلا أن هزيمة 1967 دفعت بالحافظ إلى اعتناق الناصرية، وهذه إحدى أهم ثغرات فكره.

ويناقش المؤلف كتاب «ذهنية التحريم» لصادق جلال العظم، الذي تناول فيه الموقف العربي من قضية سلمان رشدي وروايته «آيات شيطانية». وقد وجد عيد أن العظم وقع في فخ الأحكام القاطعة كأداة في الممارسة النقدية والفكرية، بل إن مناقشته للرواية المذكورة لم تكن إلا متكأ لطرح مشروعه الفكري الخاص.

فدفاع العظم عن رشدي ودفع الشبهات والتهم عنه، هو استمرار لشجاعته العقلية وجذرية نزعته التنويرية، غير أنه في الوقت نفسه، يعبر عن عدم إدراك العظم للأولويات الاستراتيجية التي يطرحها الواقع على الفكر.

ومن هذا المنظور فإن رواية رشدي لا تستحق هذا الاهتمام المبالغ فيه، والذي أودى بالعقلية الحوارية المشهور بها العظم.

وما يأخذه المؤلف على إلياس مرقص، الباحث عن وعي مطابق لزمنه وتاريخه وثقافته، هو تمسكه بالنهج الماركسي الذي بدأ يعاني من عيوب كثيرة، فمرقص بقي حتى آخر حياته وهو متمسك بالتجربة الشيوعية، معلقاً آمالاً كبيرة على تجربة «البيروسترويكا»، بوصفها برهاناً على حقائق ما فتئ يدافع عنها من قبل.

وأما ما يميز تجربة جورج طرابيشي، برأيه، فهو تحمسه الشديد لترجمة الفكر الماركسي النقدي المشبع بميراث التنوير الأوروبي، وذلك لمواجهة ماركسية ذات ميراث أتوقراطي روسي، أو استبدادي شرقي عربي، على الرغم من تحوله من الماركسية إلى الفرويدية، واشتغاله على التراث، من موقع المثقف الوطني النهضوي.

ويتناول المؤلف العلاقة بين العقل السحري والعقل المنطقي، من خلال رواية حيدر حيدر «وليمة أعشاب البحر»، والجدل الطويل الذي أثير حولها. لينتهي من خلال هذا النقاش إلى أن الفكر اليساري العربي، حوَّل العلمانية إلى معتقدية وثوقية فقهية، تنتج وعياً مقلوباً للعقل الفقهي المشيخي.

ويأخذ عيد على حيدر أنه حوّل الحوار من المستوى النظري إلى المستوى السجالي الاتهامي العامي، ولم يتمكن من التخلص من انفعالاته ومشاعره، كالكثيرين من منتجي الأدب الذين يستبدلون المعرفة بالشعارات المؤسسة على فكر يومي يغص بالأهواء والرغبات.

ويتوقف المؤلف مطولاً عند تداعيات انهيار التجربة الاشتراكية الشيوعية على المثقفين اليساريين العرب. حيث أثر هذا الاهتزاز على شاشة عقل وروح الثقافة اليسارية العربية، وهي تراقب آثاره المدمرة على المستوى الكوني والقومي والوطني.

ومن أهم من تفاعل مع هذا الانهيار خضر زكريا، الذي ذهب إلى أن القسم الذي انهار من التجربة الماركسية هو ما يسميه «علم السياسة الماركسي»، أما المادية الديالكتيكية وقوانين الجدل والتناقض، فلم تتأثر على الإطلاق، وما زالت تحافظ على زخمها العلمي. وأما حامد خليل فقد رأى أن المشكلة في عدم فهم الماركسية بشكل دقيق، والذي اعتبره أحد الأسباب التي أدت إلى انهيارها.

إذ إن الماركسيين اللاحقين لم يركزوا على ضرورة ربط الفكرة بشروط تحققها المادية والاجتماعية والإنسانية، لأن الإنسان يجب أن يتطور روحياً حتى يحل هذا الدافع محل دافع الربح الرأسمالي.

وعلى العموم فإن الكتاب بحث في سؤال أساسي وهو: هل المشكلة فينا أم في العصر؟ ويجيب المؤلف: «إن المشكلة فينا لأننا منذ القرن الرابع الهجري قررنا أن نهجر العصر، أن نهجر التاريخ باتجاه عالم البرزخ، وما زلنا حتى اليوم نعوم في عدميته المكانية والزمانية، بينما الآخر يصنع التاريخ بغنى عن دورنا ومساهماتنا، بل ووجودنا أيضاً».

الكتاب: ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة حوارات في التعدد والتغاير والاختلاف

تأليف : عبد الرزاق عيد

الناشر: رؤية للنشر والتوزيع القاهرة 2009

الصفحات: 548 صفحة

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح