يحكي مؤلف الكتاب، الباحث إبراهيم البليهي، في بداية حوارات كتابه، عن تأثره بسيِّد قطب الذي وضع عنه كتاباً كان أوَّل مؤلفاته، أنه أعد كتابا عنه وهو في فورة الشباب، فهو بحث جامعي، وكان آنذاك على تخوم المراهقة فشدَّه سيِّد قطب بثورته العارمة وثقته الصارمة وأسلوبه الأخَّاذ، واقتناعه القوي.

لكنه بعد التعمُّق اكتشفت خطأ تشخيصه للداء وعدم ملاءمة الدواء الذي يصفه. وإن القصور فينا وليس في ديننا، وأفكار التشدُّد والانغلاق ومحاربة الأفكار الجديدة ليست شيئاً طارئاً على ثقافتنا، بل إنها الطابع الذي ميَّز هذه الثقافة خلال قرون.

ويرى المؤلف أن زعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في العالم العربي وجدت لها قبولاً جارفاً، وكانت له مكانة دولية وكان قادراً على أن يستثمر هذا القبول وهذه المكانة بإحداث تغييرات جذرية في الثقافة العربية تؤسس لمرحلة جديدة في حياة العرب، غير أن الانجراف إلى الاستبداد أضاع عليه هذا الدور القيادي التاريخي العظيم، كما أضاع على العرب تلك الفرصة التي لن تتكرَّر.

وفي إجابة له عن العلاقة العضوية بين ما يسميه (بيئة التخلف) والدعوة إلى (تأسيس علم الجهل) يقول البليهي: «لقد دعوت إلى تأسيس علم الجهل قبل صدور كتابي (بنية التخلف) بسنوات، فتحليل هذه البنية لا يمكن أن يتحقَّق إلا بواسطة (علم الجهل) الذي أدعو إلى تأسيسه، لأنَّ الجهل المركَّب، أعني جهل الإنسان لجهله واغتباطه بهذا الجهل اعتقاداً منه بأنَّه الحق والصواب، هو أقوى استحكامات بنية التخلف، فغبطة المجتمعات المتخلفة بثقافاتها وتوهمها الكمال لذاتها واقتناعها بأوهام الاكتفاء قد حالت بينها وبين أي تقدم.

إنَّ هذه الغبطة هي القلعة الفولاذية التي تتحصَّن بها بنية التخلف، وبذلك توصَّلتُ إلى أنَّ العقل البشري يصوغه الأسبق إليه، وأنَّه متى تحدَّد اتجاهه ومنظومة قيمه واهتماماته وطرق تفكيره وأسلوب حياته بالتنشئة المبكرة، فإنَّ العلوم التي يتلقَّاها بعد ذلك في المدارس والجامعات تبقى طلاءً خارجياً لا تأثير لها على البنية الذهنية والوجدانية والأخلاقية، ولا على طريقة التفكير ولا على تكوين الاهتمامات وتحديد الاتجاهات».

ويؤكد المؤلف بشأن الخطاب الفلسفي وتأثيره على العقلية العربية، أن الناس لم يعتادوا بعد التعامل مع الأفكار الفلسفية المجرَّدة، ولا الارتباط بها، ولا إدراك أهميتها القصوى، كما أنهم لم ينعموا أبداً بالحقوق الفردية ولا بالحريات ولا بالنتائج العظيمة التي أنتجتها الفلسفة، بل تربُّوا مبرمجين على رؤية أحادية مغلقة، ونشؤوا على الخوف من الأفكار المغايرة.

ومن هنا نفروا من الفلسفة ومن النقد، ومن تنوع الأفكار. أما القلَّة الذين يدركون أهميتها يحاربونها فإنهم يفعلون ذلك بدوافع نفعية محضة.

ويشير الباحث إلى انه ومهما بلغت تضحيات المثقفين، فلن يتاح لهم أن يصلوا إلى عقول الناس وقلوبهم ما لم يتوفَّر المناخ الثقافي الذي يسمح بتداول الأفكار وتزاوج الرؤى، فصوت المثقَّف من السهل خنقه ومن اليسير تشويهه، فينقلب الأمين خائناً ويظهر الخائن بصورة الحارس للأمانة.

إنَّ الثقافة السائدة في كل أقطار العالم الثالث تملك كل المنابر وكل وسائل الإعلام، وتملك مؤسَّسات التعليم وقطاعات العمل ومصادر الرزق ومجالات التوظيف، وهي تبرمج الناس في أيِّ اتجاه، بل وتعيد برمجتهم لصالحها كلما تغيَّرت الظروف أو تبدَّلت المواقف. أما المثقَّف فلا يملك شيئاً وليس تحت تصرِّفه أيَّ منبر، ولا يملك أية وسيلة، ولا يستطيع التواصل مع الناس إلا بالمقدار الذي تسمح به الثقافة السائدة.

ومن المعروف أنَّ العرب ما زالوا يعيشون في مرحلة المشافهة، فالوسيلة الوحيدة المتاحة للمثقَّف هي الكتابة، هذا إذا أتيحت، وهي لا تصل إلاَّ لعدد محدود من الناس، فلا رواجَ للكتاب في المجتمعات العربية، فتأثير الثقافة المكتوبة محصور بفئة صغيرة من الناس فنحن أمَّة لا تقرأ.

الكتاب: حصون التخلف/حوارات

تأليف: إبراهيم البليهي

الناشر: طوى للنشر والإعلام ومنشورات الجمل بغداد بيروت 2010

الصفحات: 487 صفحة

القطع: المتوسط

أنور محمد