هل أن الأدب الذي يبدعه الكتاب والأدباء العرب بالفرنسية يشكل إضافة إلى الثقافة العربية أم يساهم في اغترابها وخلخلة هويتها؟


في السنوات الماضية، حاولت فرنسا أن تخلق صيغة تستقطب من خلالها كل من له علاقة، جزئيا أو كليا، باللغة الفرنسية وثقافتها وأعطت لهذه الصيغة تسمية (الفرانكفونية).

وكان من أشد دعاتها الرئيس الفرنسي الراحل فرانسو ميتران الذي نظم حولها مجلسا أطلق عليه «مجلس الفرانكفونية»، ودعا إلى مؤتمر قمة لرؤساء الدول التي تتكلم أو تجعل من اللغة الفرنسية لغتها الرسمية، كما هو الحال بالنسبة لبلدان المغرب العربي أو لبعض البلدان الأفريقية السوداء.

«دفاتر الشرق»المجلة الفرنسية المتخصصة بقضايا الشرق، أكدت في افتتاحية عددها الرابع ما يلي: (إن عالم الفرانكفونية بالرغم من كونه متفجرا فإنه مع ذلك يشكل فضاء رمزيا موحدا، وعالما متنوعا توحده اللغة الفرنسية وتجمعه الإرادة المشتركة للذين يتكلمونها من أجل تخطي حدود التقوقع والتشتت ذلك لأن الفرانكفونية انبثقت من هذه الإرادة ومن الرغبة في تهيئة سياسة تسعى إلى تقارب الشعوب وتنمية التعاون بينها».

مشروع الفرانكفونية، كما هو واضح من خلال دعاته، مشروع ثقافي يتطلع إلى غايات سياسية محددة، وبدأ يتحرك من خلال تنفيذ المقررات المتخذة من أجل نشر اللغة الفرنسية وثقافتها باستعمال أساليب متعددة مثل شبكات التلفزيون عبر الأقمار الصناعية.

(قناة تي. اف. 5 بدأت تبث برامجها إلى دول المغرب العربي) إضافة إلى الكتب والصحف والمؤسسات التعليمية التي تسعى إلى اكتساح ثقافي قد يؤدي إلى خلخلة مكونات الهوية العربية في المستعمرات الفرنسية القديمة ومنها دول المغرب العربي كما يرى بعض الكتاب المغاربيون المعادين لهذا الأدب.

«اللغة الفرنسية منفاي».. هذا ما قاله الكاتب الجزائري كاتب ياسين، لكن «منفى اللغة هذا»أبدع مئات الأعمال الأدبية، من شعر وقصة ورواية ومقالة بل وأصبح وثيقة نادرة عن معاناة شعب رزح تحت نير الاستعمار الفرنسي سنوات طويلة..

وهذا شأن معظم أدباء المغرب العربي الذين يعانون من ازدواجية التعبير.كاتب ياسين مضيفاً:«لقد عشت مدة طويلة في فرنسا، وأعرف كيف تفهم هنا المسألة التي يريد الكاتب الجزائري نقلها من خلال نتاجه، كيف تحور وتشوه، وكيف أن (الماكنة) الأدبية والصحافية والصالونات والجوائز الأدبية، تفضي كلها، في نهاية المطاف، إلى مؤامرة كبيرة ضد الجزائر، وضد أفريقيا والعالم الثالث، وكل ما هو نحن».

هذا الكلام لم يمنع من منحه الجائزة الوطنية الكبرى للأدب.. هذه الجائزة التي منحت من قبله لأدباء أمثال سان جون بيرس وبيار جان جوف ومارغريت يورسنار.

في ميزان النقد الأدبي

ثمة دعوات كثيرة بصدد هذا الأدب، وخصوصا، في ميدان النقد الأدبي العربي. من النقاد من يتنكر لهذا الأدب ومنهم من يعتبره رافدا من روافد الثقافة الغربية. وفي الحالتين، لا يمكن ترك هذا الأدب لقراء اللغة الفرنسية وحدهم بل ينبغي إيجاد قراء عرب لهؤلاء الكتاب والشعراء الذين وصل بعضهم إلى مصاف العالمية.

«ماذا في استطاعة الكاتب المغربي الذي يكتب بالفرنسية أن يفعل سوى أن يسرع نحو موته.. ؟ »هذا ما قاله أديب مغربي يكتب بالفرنسية بينما يؤكد لنا عبد الكبير الخطيبي أن هذا الأدب لم ينته.. فما يزال كتاب وأدباء مغاربة شبان يكتبون نصوصا أدبية بالفرنسية من جيل إلى جيل رغم انتماء الكتاب والأدباء الذين سبقوهم إلى الفترة الاستعمارية في كل من الجزائر وتونس والمغرب».

تساؤلات عددية تواجه الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية منها:

هل تلعب الرواية المغربية الفرانكفونية دورا هاما في تشكيل وعي الناس وتجاربهم؟

وهل تفتح الكتابة بالفرنسية المجال أمام الكتاب المغاربة لتناول المحرمات التي لا يمكن للكاتب العربي الاقتراب منها بالعربية؟

وهل أن طريقة التعامل مع النص الأدبي تختلف في اللغتين العربية والفرنسية؟

وما هي حدود اللغة.. أهي غاية أم وسيلة؟

ما تزال هذه الأسئلة تطرح في أذهان المثقفين والكتاب والقراء في بلدان المغرب العربي.. وما تزال تدور في فلك غامض.. وهي تبقى مشروعة.

نحاول أن نلتمس إجاباتها عبر كتاب برزوا في هذا الميدان وحققوا شهرة عالمية كبيرة.

فالأدب المغربي المكتوب بالفرنسية يثير إشكاليات عديدة ما دام له أنصار ومعارضون، المعارضون لهذا الأدب يتهمون الكتاب المغاربة بالتعبير الفرنسي بأنهم يهيمون في فلك (التذبذب الثقافي) لكن الحقيقة تشير كما أكدت جميع الأبحاث والدراسات والتقارير إلى أن الاحتلال الأجنبي حاول دوما طمس معالم اللغة العربية ومحاولة إحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية في بلدان المغرب العربي، وهذا يعني أن الكتابات المغربية التي ظهرت في عهد الاستعمار ما هي إلا ثقافة تذبذب وتغريب. يقول الكاتب المغربي طاهر بن جلون:«كنا جماعة تتقيأ هذه اللغة بوضعها داخل تضاربها النحوي، وإسباغ ألوان المعاني العربية عليها. كان ذلك لعبة، ولقد انتهيت منها الآن لتعترضني بعد ذلك مشكلة أخرى وهي اختيار لغة الكتابة بالفرنسية، اللغة التي أملكها، وأستطيع الآن الكتابة باللغتين واستمر في الكتابة بالفرنسية». إلا أن طاهر بن جلون واصل الكتابة بالفرنسية وأبدع فيها بينما أهمل اللغة العربية ولم يذكر له إبداع فيها. وهذا لا يقلل إطلاقا من موهبته وإبداعه.

الحنين إلى الكتابة بالعربية

لا بد أن نذكر أن المعارضين للأدب المغربي المكتوب بالفرنسية يشكلون الغالبية.

رشيد بوجدرة الذي كتب سبع روايات باللغة الفرنسية وانتقل مؤخرا إلى الكتابة باللغة العربية كان في رواياته الثلاث (التفكك) و(يوميات امرأة من ورق) و(معركة الزقاق) يعترض بنفسه على الكتابة بالفرنسية بقوله:

(إن استغلال الفرنسية في المغرب العربي سيظل دائما عملية سامة-ويتساءل- لماذا اللجوء إلى نمط ثقافي آخر لتغيير مجتمعنا؟ لماذا نعمل هنا على تطوير أدب مكتوب باللغة الفرنسية؟

وهل حدث أبدا أن سعى شعب ما إلى البحث عن جذوره في لغة أخرى غير لغته)؟

الطاهر بن جلون ورشيد بوجدرة يمثلان قطبي المشكلة: الأول واصل الكتابة بالفرنسية لعدم تمكنه من الإبداع بالعربية والثاني انتقل إلى الكتابة بالعربية دون أن يبدع كما أبدع باللغة الفرنسية التي يمتلكها ويسيطر على أدواتها.

ثمة من يعارض الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية مشيرا إلى أن هذه مخصصة لقراء غير عرب كما يؤكد على ذلك الكاتب المغربي عبد الكريم غلاب بقوله: (أعتقد أن العرب الذين يكتبون بالفرنسية قد يرضون الفن وقد ينقلون صورا من مجتمعهم إلى قراء غير عرب ولكن مشاركتهم في النضال عن طريق الفن محدودة لأن قراءهم العرب محدودون جدا. وأذهب بعيدا فأقول أن هؤلاء يتمثلون ؟ وهم يكتبون بالفرنسية- الفكر الفرنسي والمجتمع الفرنسي أكثر مما يتمثلون بمجتمعهم العربي لأن اللغة لها أثر في الفن كما أن لها أثر في الفكر..

وانطلاقا من الرأي القائل بأن الشكل قد يخفي المضمون، فأن الكتابة بالفرنسية قد تحد من مضامين الكتاب والأدباء العرب الذين يكتبون بها ولا يكون لهم التأثير الكافي في إثارة المجتمع في الوقت الذي يؤكد فيه عبد الكريم غلاب على أهمية اللغة العربية ويعتبرها رشيد بوجدرة «أسمى وأعظم لغة حية في العالم».

بينما ذهب كاتب ياسين إلى القول بأن اللغة العربية انقرضت مثل اللاتينية ولم تعد من هذا العصر. ففي الوقت الذي ما يزال فيه طاهر بن جلون، وعبد الوهاب المؤدب، وعبد الكبير الخطيبي، واسيا جبار يكتبون باللغة الفرنسية، عاد كل من رشيد بوجدرة وعبد اللطيف اللعبي وكاتب ياسين إلى اللغة العربية فيما كرس الأخير كتاباته باللغة الدارجة.

محاولة للاستعادة

إن معظم ما كتب من هذا الأدب لم يترجم بعد إلى اللغة العربية إذا استثنينا سلسلة «عودة النص»التي سعت إلى ترجمة بعض هذه النصوص إلى اللغة العربية في عملية إرجاع النص إلى بيئته ولغته الأصلية من أجل إعادة اكتشاف الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية من خلال الجامعات الفرنسية. ويأتي هذا الاهتمام لما يتمتع به هذا الأدب من أصالة وتنوع سواء على صعيد المضامين أو الأشكال.

أدرك أولئك الكتاب أن اللغة تشكل وعاء هذا الأدب على الرغم من سعي بعضهم للكتابة باللغة العربية وخصوصا رشيد بوجدرة أو كاتب ياسين حيث كتب الأخير معظم مسرحياته باللهجة الجزائرية الدارجة كي يعطي لأدبه تواصلا حميما مع الجمهور.

لكن غالبيتهم لم يتجرأ على الاستغناء عن التعبير باللغة الفرنسية لأن هذه اللغة تنامت وتطورت في وعيهم وثقافتهم منذ الطفولة.كثير من النقاد يعتقد بأن هؤلاء الأدباء ينتمون إلى الجنسيتين الفرنسية والعربية.

صحيح أن اللغة الفرنسية تجمع الكثير من الكتاب والمفكرين بحكم سيطرة اللغة إلا أن روح هذه الأعمال ومواقفها الواضحة تحدد المسار الذي تذهب فيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو:

ـ هل يمكن اعتبار هذه النصوص جزءا من الأدب العربي؟

إن مشروع (عودة النص) ينقلنا إلى مرحلة زمنية معينة انطلقت فيها الروح العربية عبر لغة المستعمر آنذاك. تعاونت سلسلة (عودة النص) مع دار النشر الفرنسية الشهيرة (سوي) في ترجمتها العربية لروايات مثل «نجل الفقير» لمولود فرعون،«محا المعتوه محا الحكيم»للطاهر بن جلون، و«التطليق» لرشيد بوجدرة وغيرها من النصوص .

وهكذا فان ظاهرة الأدب المغاربي المكتوبة بالفرنسية، موضوع واسع، تضاربت فيه الآراء واختلفت وذلك لأن لهذا الأدب معارضين وأنصارا. من الواضح أن اختيار اللغة الأجنبية وسيلة للتعبير عن الروح العربية لم يكن حبا واختيارا وإنما أمرا فرضته جملة من الظروف القاهرة.

ولعل أهم ما في الأمر أن هذه الكتابات باللغة الفرنسية كانت لها وظائف متعددة في فاعليتها وتأثيرها على الأوساط المثقفة الفرنسية مما أدى إلى ظهور موجة عارمة من الاحتجاجات ضد المستعمر كما هي الحال عند سارتر ومالرو.ولعل أهم ما في هذه الكتابات هو مجموعة ما تطرحه من أفكار وقيم ثقافية واجتماعية وروحية، فلا يمكننا أن نقسم أولئك الكتاب إلى خندقين أحدهما يكتب بالفرنسية والآخر يكتب بالعربية.

لا يمكن القول بأي شكل من الأشكال بأن اللغة الفرنسية أضرت بالإبداع الأدبي والفني في المغرب العربي بل على العكس، أثبتت أن هذه الكتابات ما هي إلا إدانة للاستعمار بلغته وبكلماته، ونظرا لاتساع الجمهور المغربي والأفريقي الناطق باللغة الفرنسية بحيث لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق هذه اللغة.