يقارب تاريخ نشأة القصة القصيرة في الإمارات، نشأتها في الغرب، فمع ازدياد عدد الصحف والمجلات في أوروبا في القرن التاسع عشر، دعت الحاجة إلى نشر القصص بحجم لا يتجاوز الـ 1500 إلى 3000 كلمة. كذلك الأمر في الإمارات. فمع بداية الثمانينات من القرن الأخير، وظهور العديد من الصحف والمجلات، ازدهر نتاج القصة الإماراتية.
تعود بدايات نشأة القصة القصيرة الإماراتية إلى السبعينات، ومن المتفق عليه أن أول من كتب القصة القصيرة بالدولة، شيخة الناخي، التي نشرت قصتها الأولى (الرحيل) عام 1970، أما أول مجموعة قصصية صدرت فكانت لعبدالله صقر بعنوان (الخشبة) عام 1974 في دبي، وقصة (ذكريات وأماني) لحاج مظفر عام 1971.
وأيضا قصة (ضحية الطمع) لعلي عبيد علي عام 1972، وقصة (يوميات موظف صغير) لعبد العزيز الخليل عام 1974، ومجموعة (الشقاء) لعلي عبدالعزيز الشرهان التي تناول فيها مرحلة ما قبل قيام الاتحاد، وعبدالحميد أحمد بمجموعته الأولى (السباحة في عيني خليج يتوحش) عام 1982.
وكذلك محمد ماجد السويدي، ورضا السجواني، ومحمد المر الذي نشر أول مجموعة قصصية له عام 1982 بعنوان (حب من نوع آخر). ونشر هؤلاء منتجهم في المجلات ونشرات الأندية الرياضية، ك«الأهلي» و«الزمالك» و«الشباب»، إلى جانب «أخبار دبي».
ومن خلال هذه الكوكبة من الأدباء شهدت الإمارات زخماً ثقافيا في مختلف جوانب الأدب والإبداع، وبدأت هذه الحركة الثقافية بالتحول من تلقي نتاجات الآخرين، إلى تقديم نتاجها المحلي الإماراتي. ونظراً لكون القصة هي في بداية نشأتها آنذاك، فقد كانت على صعيد المضمون أقرب إلى الخواطر الأدبية المشحونة بالعاطفة، وعلى الصعيد التقني في حالة البحث عن صيغ فنية ترتكز عليها.
مرحلة الإبداع
ازدهرت في الثمانينات من القرن الماضي القصة القصيرة الإماراتية على يد عدد كبير من الكتاب، ونُشرت في الصحف والمجلات التي زاد عددها آنذاك. وتابع هذا الجيل العمل على تطوير البنية الفنية للقصة.
وفي مقدمهم: ظبية خميس، ناصر جبران، ناصر الظاهري، سلمى مطر سيف، أمينة بو شهاب، سارة النواف، باسمة يونس. وفي إطار فن الحكاية التقليدية برز محمد المر. وسرعان ما لحق بهؤلاء الكتاب مجموعة جديدة، مثل: مريم جمعة فرج وسعاد العريمي وجمعة الفيروز.
القصة والبيئة
تمحورت طروحات هذين الجيلين حول قضايا محلية مرتبطة بالمجتمع، كعلاقة الإنسان بالبحر في شخصية النوخذة، والنخل في شخصية المزارع، والبيئة في منظومة القيم، وذلك مع رصدٍ للتغيرات التي طرأت على المجتمع بعد النفط، كالعمالة الوافدة، والزواج من أجنبيات، ومشكلات اجتماعية أخرى.
إضافة إلى إشكالات المرأة الناتجة عن القهر والتهميش، والاهتمام بالموروث من القيم والتقاليد، والحنين إلى الماضي أمام واقع التغيرات والتحولات السريعة التي واجهها المجتمع الذي كان يعيش في شبه عزلة.
وجدير بالذكر هنا أن عدداً كبيراً من هؤلاء الكتاب توقفوا عن متابعة مسيرتهم الأدبية لأسباب عدة، منها: متابعة الدراسة والتخصص، التفرغ للعمل الصحافي أو المهني. ونتيجة لذلك دخلت القصة في حالة كمون.
«جيل المفصل»
انتعشت القصة مجدداً في أواخر التسعينات من القرن الـ 21، حيث ظهر جيل جديد من الكتاب والكاتبات الذين تميزوا بغزارة النتاج. وحافظ هذا الجيل على النهج الفني الذي أسسه من سبقهم. وأما على صعيد المضمون فتجلى تفاعلهم مع المتغيرات الجديدة من خلال الحنين إلى الماضي والزمن الغابر. ومن هؤلاء الكتاب الذين لقبوا بـ «جيل المفصل»:
أسماء الزرعوني، ابتسام المعلا، سارة الجروان، فاطمة محمد. وأما الكاتب الذي شكل استثناء في خروجه عن المضمون السابق إلى الواقع الشخصي الداخلي في محاولة لاكتشاف مكنونات النفس وتفاعلها مع المحيط الجديد، فهو حارب الظاهري.
ويرتبط ازدهار القصة في هذه المرحلة بإحصائيات المطبوعات الصادرة في دولة الإمارات عام 1998، حيث بلغ عدد الصحف اليومية ثماني صحف، وعدد المجلات الأسبوعية والشهرية، مئة وثلاثين مجلة، في حين بلغ عدد المكتبات العامة 45 مكتبة.
الأصوات الجديدة
برزت مع الألفية الجديدة، أسماء عدد كبير من الكاتبات والكتاب الذين أضافوا بعداً جديداً للقصة الإماراتية، حيث خرجوا من عباءة الأجيال السابقة، ليتعمقوا في ظل التغيرات ذات الإيقاع السريع على مختلف الأصعدة في بنية علاقة الإنسان بذاته وبالآخر، وأيضاً بالمجتمع، في ظل شتى التحولات وخروجه من حدود المحلية إلى العولمة، علاوة على سيطرة مفهوم الاستهلاك على حساب القيم الإنسانية، حيث بات هاجس الخلاص الفردي يهيمن على المنظومة العامة. ومن أبرز الكتاب الإماراتيين من الجيل المعاصر:
نعيمة المري، حسنة الحوسني، نجيبة الرفاعي، عبدالرحيم حسن عبدالرحيم، عائشة الزعابي، فهد الفلاسي، عائشة عبدالله محمد، فاطمة عبدالله، ريا مهنا، محسن سليمان، خالد الجابري، فريد الغياث، مريم المري، أحمد أميري، فاطمة الكعبي، صالح كرامة، منى سالم السويدي، أسماء محمد الكتبي، أسرار المنهالي، غادة الكيلاني، علي أحمد الحميري.
والعديد غيرهم.وسعى أغلب كتاب الجيل المعاصر إلى كسر قواعد بنية القصية القصيرة، لتأخذ، إما نمطاً عشوائيا، أو تخلو من الحدث أو الربط الزمني أو الحبكة، وذلك بهدف البحث عن أنماط جديدة، أو ترجمة إيقاع تحولات العصر الحديث في زمن قياسي فرض على الغالبية، محاولة ترجمة هذه الإشكالية وانعكاساتها على الفرد.
رؤية النقاد
قدم النقاد والباحثون المتتبعون لحركة مسيرة الأدب والقصة في الإمارات، الكثير من الدراسات النقدية، وذلك في إطار الملتقيات الأدبية أو الندوات والكتابات النقدية التي وثقت هذا الجانب، ضمن العديد من الكتب المرجعية. وأفادوا بأن الأصوات النسائية الجديدة وضعت المرأة التي تشكل نصف المجتمع، والتي لا يزال دورها مهمشاً، تحت دائرة الضوء.
فتناولت أدوارها وهمومها الحياتية بمنظور فردي، على عكس الرواد الأوائل الذين رصدوا القيم والتقاليد في مواجهة التبدلات الاقتصادية التي عصفت بالمجتمع. وكان الرهان بعد انكفاء رواد القصة خلال الثلاثين سنة الماضية، وإثر غزو التكنولوجيا واجتياح العولمة، أن تغيب القصة القصيرة، خاصة مع تكريس المفهوم الاقتصادي. ولكن ظهور مجموعة جديدة من القاصين والقاصات دحض هذه المعتقد.
ومن المتوقع أن يتصدر القاصون الجدد الذين أصدر أغلبهم، مجموعة أو مجموعتين من القصص القصيرة، الساحة الأدبية، وينهضوا بدور القصة الريادي، من خلال مثابرتهم على الكتابة وتراكم التجربة التي تولد الوعي بدور القاص في تناول قضايا حياتية محورية تعكس تفاعلات الفرد مع المجتمع، وانعكاسات التحولات على كليهما، ومثال على ذلك الانتقال بشخصية المرأة من دور المتلقي إلى المتفاعل مع المجتمع وقضاياه.
ولخص النقاد في دراساتهم خلال ندوات وملتقيات القصة، المحاور الرئيسية التي تناولها الكتاب الجدد في قصصهم، فعلى صعيد صورة المرأة في القصة الحديثة، قالت الناقدة التونسية ريم العيساوي، المقيمة في الإمارات: «إن صورة المرأة الأكثر جلاء عند القاصين، هي المرأة الضحية لعوامل، إما ترتبط بالمجتمع أو البيئة المحيطة بها، أو لعوامل ذاتية كامنة في داخلها باعتبارها أنثى».
كما صور القاصون مفهوم الضحية، إما في إطار الجهل، كالقاص صالح كرامة في قصته (سهرة مع الأرق) عبر بطلته القابلة الشعبية (أم سنود)، أو الفقر الذي عرضه علي أحمد الحميري في قصته (العمائم الخضر)، أو الموت الذي تناولته فاطمة المزروعي من خلال مجموعتها (ليلة العيد).
في وفاة الأم في قصة (نجم الشمال)، أو الشرف الذي صورته عائشة عبدالله محمد في مجموعتها (ما بعد الطوفان) من خلال قصتها (ليلة باردة)، حيث تحدثت عن فتاة تخاطر بشرفها، أو مرض الوحدة كما في قصة فاطمة المزروعي (عصافير المساء)، أو الرمز الذي تناولته ريا البوسعيدي في مجموعتها (الرحلة رقم 8) عبر قصة (رمل).
وعلى صعيد العلاقة بين الرجل والمرأة في القصة القصيرة، يرى الناقد الدكتور صالح الهويدي في دراسة له في هذا الجانب، من خلال المجموعة القصصية (مواء امرأة) للقاصة فاطمة الكعبي؛ التي تعتبر إصدارها الأول، «أن المحصلة الطبيعية للإكراهات الاجتماعية التي تتعرض لها المرأة في المجموعة، تتجلى في شكل عقد تتفاوت حدة واستحكاماً تبعاً لشخصيات القصص، من حالات الارتياب، إلى الخوف والتوجس الدائم، إلى الزهو بقلعتها العصية على عالم الرجل».
وقالت فاطمة السويدي، في إحدى دراساتها عن القصة القصيرة في الإمارات، في ما يخص جماليات القص لدى الأصوات الجديدة: «تتجلى ظاهرة تراجع جماليات القصّ بصورة عميقة، عند تأمل ظاهرة ثقافية أخرى مرتبطة بالقصة القصيرة في الإمارات، وهي كثرة النتاج القصصي عند الجيل الجديد، الذي يأتي على حساب هشاشة مدخل القصة، وغياب عمق الشخصيات، وصوت الفكرة الذاتية الذي يأتي من هيمنة أفكار القاص وغياب الحدث، وتفاوت لغة القص بين المباشرة والشعرية الغامضة».
وهكذا نجد أن كتاب القصة القصيرة الجدد، يحملون على عاتقهم رسالة ومسؤولية سامية، تبدأ بإحياء القصة بعد كبوتها، عبر تعميق تجربتهم على الصعيدين الفني والتقني، للانتقال إلى مرحلة التطوير والإبداع الذي سيترك بصمته في تاريخ مسيرة الإبداع الأدبي المحلي.
رشا المالح


