منذ أن عرف إنسان وادي الرافدين الكتابة لأول مرة في التاريخ، وأصدر كتابه المسماري الأول كلكامش لم يكف عن إيجاد الوسائل والطرق لتطوير صناعة الكتاب، فقد عرفت حضارة وادي الرافدين بالرقم الطينية التي هي بمثابة الكتاب، كما عرفت حضارة وادي النيل بالكتابة على البردي، أي كلا الحضارتين اعتمدتا على المكون الطبيعي المتوافر.
وقد مر زمن طويل والإنسان يحاول الوصول إلى أفضل سبل النشر، حتى اخترع العرب والشرقيون الورق الذي أحدث نقلة نوعية في طبيعة المعرفة، ولم يستطع الأوروبيون إتقان صناعة الورق إلا في فترات متأخرة نسبياً، بعد أن احتكر المسلمون والعرب هذه الصناعة سبعة قرون تقريباً، حيث اشتهرت سمرقند وبغداد ودمشق والقاهرة وفاس والأندلس بصناعته.
أول ظهور للورق الذي أطلق عليه «الكاغد» كان في سمرقند عام 134 ه. هارون الرشيد شيد أول مصنع للورق في بغداد على عهده، وكان يصنع من الملابس القديمة والبالية.
أقدم ورق موجود حالياً في العالم في جامعة ليدن بألمانيا، مصنوع في بغداد، ويرجع تاريخه إلى نحو (800 ميلادية) وهو عبارة عن كتاب بالعربية بعنوان «غريب الحديث» لأبي عبيد بن عبيد القاسم بن سلام، مؤرخ عليه ذي القعدة (252 هـ - 866م).
ونموذج آخر لطبيب عربي يحتفظ به المتحف البريطاني يعود تاريخه إلى 960م. كانت أوروبا تستورد الورق من الشرق.
وتطورت صناعة الورق بتطور تكنولوجيا الصناعة، حتى بدأ الإنسان يتقن صناعته في منتصف القرن الخامس عشر، خاصة بعد أن طوره الإيطاليون ورخصوا ثمنه، مما جعله ينتشر بشكل أوسع، وقد ساعد اختراع آلة الطباعة من الألماني يوهانس جوتنبرغ الذي يعتقد بأنه ولد مع ظهور أول معمل للورق في أوروبا.
كان العرب سباقون في اكتشاف أنواع من الورق؛ مثل ورق الحرير، والورق المقوى، والورق الناعم، والخشن، والورق الأبيض، وكذلك الملون على ما يذكره د. إسماعيل سراج الدين في كتابه المعنون «مطبعة بولاق».
اكتشف الأوروبيون العلامة التجارية للورق من خلال ما نسميه (السكرين) حالياً، وقد بدأ يوضع علامة مائية لتميز كل ورق عن غيره، ولعل العديد من الورق الخاص والأنيق حالياً يحتفظ بهذه الصورة المائية التي لا تظهر إلا بالضياء كدليل على رقي الورق وجودته، إن العلم والآداب والفنون لم تنتشر، ولم تتطور، إلا بظهور الورق وأجهزة الطباعة الحديثة، التي نشرت المعرفة بين الشعوب.