في تاريخ الرواية ظهر مفهوم البطل الجماهيري الذي رسخته طيلة سنوات روايات الواقع، أسبغت عليه حلة الحياة العامة، فهو يعيش وسط الناس ويتواصل معهم ويتصرف إنطلاقاً من كونه فرداً داخل مجموعة، ولا بأس في منحه درجة من الخصوصية كعلاقة غرامية مع فتاة فقيرة من الحي، أو من حي مجاور لكن من عائلة أرقى، وبذلك يضمن المؤلف لروايته نزاعاً طبقياً.

إن البطل الذي تدربت عليه ذائقة الواقعية الاشتراكية للقارئ العربي، انشقت الأرض وابتلعته فجأة في الرواية الجديدة، لم يعد له وجود لأن عالمه الجماهيري غاب في زحمة الروايات الكثيرة، ولم تعد أسباب الحديث عنه متوفر رغم أنه حاضر في إيقاع الحياة، ويكاد لشدة انتشاره أن يكون نسيج حكاية في كل زقاق وحارة وبيت، بطل من العامة في حياة عالية الضجيج.

استعاض عدد كبير من كتاب الرواية اليوم عن بطلهم الجماهيري ببطل شخصي (ذاتي) غالباً يكون الراوي نفسه يحكي حياته من خلف الستار ويعيش عزلته داخل جدرانه أو حبيس وساوسه أو أحلامه، ورويداً رويداً تتحول الرواية من حكاية إلى أوهام، تشيع في نفس قارئها مللاً، ويكاد ينصرف عنها لرتابتها، لإغراقها في وحدتها البائسة حتى يكاد الهواء لا ينفذ إليها.

ما هو مصير الرواية حين تنغلق على ذاتها، وكم سيكون نصيبها من الانتشار والجماهيرية، ومن هو الناقد الذي سيتصدى لها دراسة وتحليلاً؟ وهل ستحقق حضوراً أو ستشكل فارقاً في محفل أو ندوة، ومن سيعطيها طاقة للعيش في الغد؟ أسئلة تجر أسئلة في عصر الرواية التي يتزايد عدد كتابها وتتعاظم نسخها يوماً بعد يوم، أسئلة عن أهميتها قبل تصنيفها أو فرزها نقدياً.

إن القارئ هو الذي يمنح الرواية أهميتها وليس الناقد أو الدارس، وكثيراً ما تنتشر الرواية بين القراء دون حاجة إلى مباركة نقدية، ولطالما كانت كتابات جي.كي.رولينغ مؤلفة سلسة هاري بوتر ليست موضع إعجاب نقدي، بل لم تصنف في خانة الرواية، لكن متى كان التصنيف عائقاً أمام الشهرة والشاهد مغنيات السُرر المكشوفة ينافسن فيروز وأم كلثوم!

ما فعلته الرواية الذاتية ليس قتلها البطل الجماهيري فحسب، بل انتشار عشرات بل المئات الذين يكتبون من غرفهم الضيقة وأَسرتهم الباردة،ويطبعون ذلك وعينهم على قراء المكاشفات والفضائح ويطمحون إلى الجوائز.

ولا نامت أعين النقاد.

hussain@albayan.ae