ما هي علاقة الإنجليز بالحداثة؟ الإجابة على مثل هذا السؤال تشكّل موضوع الكاتب والناقد البريطاني غابرييل جوزيبوفسكي الذي يحمل عنوان: «ماذا حصل للحداثة»؟ بل ويصوغ المؤلف السؤال بطريقة أخرى: كيف ابتعد الإنجليز دائما عن الحداثة؟ الملفت للانتباه أنه يستخدم باستمرار تعبير «الانكليز» مبتعدا تماما عن تعبير «البريطانيين».
الشهير عن الإنجليز أنهم شعب محافظ. والمؤلف يؤكد مثل هذه الصفة خاصة على الصعيد «الثقافي» حيث انهم يبتعدون عن «سابق إصرار وتصميم» عن الحداثة وعن الأفكار التنويرية التي فعلت فعلها لدى الشعوب المجاورة لهم، وفي مقدّمتها جميع الفرنسيين. الإنجليز يتسمون، كما يصفهم المؤلف، ب«نوع من الجمود الثقافي» الذي يظهر خاصة في الأعمال الإبداعية».
ويقدّم المؤلف أمثلة كثيرة على ابتعاد الروائيين والشعراء الإنجليز والذين يكتبون عامة باللغة الانكليزية. وفي عداد هؤلاء ت. س. اليون وصموئيل بيكيت ومارتن أميس وغيرهم. هؤلاء جميعا ترتبط أعمالهم ب«أفكار فات زمنها» وتتسم «بقدر عال من النزعة الواقعية الصريحة» في بحثها عن الحس الأخلاقي بطريقة تذكّر بالأعمال الروائية في القرن التاسع عشر.
إن روايات القرن التاسع عشر كانت تؤكد غالبا على القيم الثقافية والسياسية السائدة في عصرها. هذا إلى جانب تأكيدها على «ما ينبغي أن تكون عليه الأمور» في سياقها التاريخي والاجتماعي. ذلك على أساس أن الحقيقة والواقع ليسا «أبديين وخالدين»، ولكن تتم صياغتهما على قاعدة القيم السياسية السائدة في حقبتهما.
ومن خلال دراسة مجموعة من الأعمال لكتّاب معاصرين، خاصة تلك التي تعرّضت لتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، مثل «مارتن اميس» عندما تطرق ل«الأيام الأخيرة من حياة محمد عطا» في إحدى رواياته، يصل مؤلف هذا الكتاب إلى القول أن «الواقعية البريطانية» مفرطة في اعتقادها بصحّة مقاربتها للحقيقة «عن قاعدة تمسّكها بقيم قديمة وأفكار عتيقة» تبتعد إلى حد كبير عن الحداثة.
ويحدد المؤلف القول أنه يقصد بالحداثة مجموعة من الحركات الثقافية التي عرفتها المجتمعات الأوروبية عامة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ذلك في ميادين الأدب عامة، ولكن أيضا في مجالات الفن والعمارة والموسيقى.
وإذا كان المفهوم الانكليزي للحداثة يقترب كثيرا من حيث مضمونه العام من المفهوم الفرنسي، فإنه جرى حصره بمدلول «ضيّق» جدا عبر النظر إليه كتيار محدد في مجال الفن عرف ذروته خلال الحرب العالمية الأولى وفي السنوات التي تلتها ووجد نهايته عمليا في نهاية سنوات الخمسينات المنصرمة على أبعد تقدير.
ذلك أنه اعتبارا من بداية سنوات الستينات جرى الانتقال إلى ما يسمى ب«ما بعد الحداثة».
ويقوم المؤلف بنوع من المقارنة بين كتّاب عالميين وكتّاب انكليز ليبرز من خلال هذه المقارنة مسألة العلاقة مع الحداثة. ويتساءل لماذا تبدو أعمالا أدبية مثل التي قدّمها كافكا وبورخيس وروايات مارسيل بروست وتوماس مان وكلود سيمون وتوماس بيرفهارد وكأنها نقيض للأعمال الإبداعية الأدبية الانكليزية لكتّاب مثل مرغريت اتوود وجون ابديك ومارتن اميس وايان مكويان؟
ولا يتردد المؤلف في معرض إجابته على مثل هذا التساؤل بالقول أن الأعمال الأولى «مسّت مشاعره» وقادته إلى «الغوص في أعماق نفسه» كما قادته إلى «عوالم لم يكن يعرفها». أما الأعمال الأخرى، الانكليزية، فقد رأى بها «حكايات مسبوكة بشكل جيّد». ولكن بعد أن قرأها للمرّة الأولى لم تتولّد لديه أبدا الرغبة لإعادة قراءتها.
ثم يتساءل مباشرة: هل يكمن العيب بي؟ وهل كنت في حالة لم تسمح لي بالولوج إلى روح تلك الأّعمال؟ أو هل هي تنتمي إلى نوع من الكتابة يستجيب بوضوح لذوق الجمهور الانكليزي، وليس لذوقي الشخصي الخاص؟
إن المؤلف يؤكد على مدى صفحات هذا الكتاب وبأشكال مختلفة أن الثقافة البريطانية عامة، والإبداع الأدبي خاصة، ظلّ «عالقا» داخل قوالب قديمة. وهو يحاول شرح مثل هذه الظاهرة عبر ربطها مع تنامي النزعة الفردية.
ذلك كنتيجة لمسار نتج عن تضافر عدة تيارات عملت كلها من أجل كبح الحداثة. وعلى رأسها فترة «الإصلاح» على الصعيد السياسي و«البروتستانتية» على الصعيد العقائدي والرأسمالية على الصعيد الاقتصادي. ثم إن «الحداثة» كانت دائما بنظر المؤلف غريبة عن الذهنية الانكليزية «المحافظة» بطبيعتها.
الكتاب: ماذا حصل للحداثة؟
تأليف: غابرييل جوزيبوفسكي
الناشر: جامعة يال- 2010
الصفحات: 334 صفحة
القطع : المتوسط
