كل البشر العاديين «يمشون» وكل الأطفال الذين يتمتعون ببنية سليمة يتعلّمون المشي ويسيرون خطواتهم الأولى وهم ينطقون الأحرف الأولى بلغة آبائهم.

لكن أولئك الذين يعتقدون أن المشي يعني وضع قدم أمام الأخرى هم «مخطئون»، هذا ما يقوله الكاتب الفرنسي والمدير السابق لمجلة «ماغازين ليتيرير الأدبية» جان لويس هوو» في كتابه الذي يحمل عنوان «تعلّم المشي».إن المؤلف يقتفي في كتابه آثار أولئك الأدباء والكتاب والقادة الذين كانوا قد جعلوا من السير إلى مسافات طويلة ولزمن طويل وفي أمكنة مختلفة «رياضتهم» الحقيقية. وهو يصف لويس الرابع عشر، أحد أشهر ملوك فرنسا، أنه كان «مولع بالمشي في منطقة فرساي»، مقرّ قصره الذي لا يزال أحد أهم المعالم التاريخية في فرنسا حتى اليوم. ويركز المؤلف على القول أن فن المشي يتطلّب الكثير من الصبر وهو فن يتطوّر مع تطوّر المجتمعات. هكذا أصبح المشي على مرّ القرون تعبيرا عن «متعة» وعن «عزلة مقصودة ومتعمّدة» وعن حرية أساسية، بعد أن فقد «صفته القسر» في مجتمعات ما قبل الآلة ووسائل النقل الأخرى.

يكتب المؤلف: «عملية التعلّم البطيء هي التي أردت البحث في تاريخها». ويضيف: «الكتّاب الذين أرشدوني هو بترارك وروسو وستيفنسن وغيرهم من المشائين الباحثين عن الحكمة والصفاء».

كذلك يسترشد المؤلف في دعوته ل»تعلّم المشي» بتجربته الخاصة في السير ساعات وساعات بجبال الصين واليابان والدوران لثلاث مرات حول «الجبل الأبيض» وفي غابات «فونتين بلو» والعديد من المناطق الأخرى، وما يؤكده في جميع الحالات هو قوله: «لم أتّبع أبدا الطرق المستقيمة» بل تلك «الزاخرة بالتعرجات والأحلام».

وهذا كله بحثا عن «لقاء الذات» وعن «السعادة».وينقل المؤلف عن جان جاك روسو قوله: «إنني لم أفكّر ولم أحسّ بوجودي ولم أكن على تصالح مع ذاتي، إذا استطعت قول ذلك، بنفس القدر الذي عرفته أثناء الأسفار التي قمت بها سيرا على الأقدام».

وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن جملة «روسو» ظلّت حيّة جيلا بعد جيل و»أنبتت» تلك الرغبة المتجددة باستمرار للسفر. وهذا ما توارثه الشعراء والفلاسفة والكتّاب والمبدعين، كما كان روسو قد ورث «رغبة المشي» عن الذين سبقوه.

وكما في تعلّم أي شيء، يحدد المؤلف القول على ضوء تجربته أن «الخطوات الأولى صعبة ودقيقة»،.

إذ أنها تتطلّب قدرا كبيرا من التصميم والانضباط والشجاعة وتحضير الذهن خاصة. وعندما يتم التسلّح بكل هذه الصفات ويتم تنفيذ الخطوات الأولى «يصبح المشي على الأقدام متعة» قائمة على مبدأ «الاختيار» وليس الجبر والقسر. ومع الممارسة «يتعاظم الانتباه إلى المشاهد المحيطة بالطرق التي يسلكها «عشّاق المشي».

هكذا يغدو من يمشي «رسّاما وعالم بنات وشاعرا». ثم يتعلم الذهاب حيث تأخذه قدماه و»يستمتع بذلك». يقول المؤلف عن تجربته: «لقد تهت على طريقتي وغامرت باكتشاف مناطق جديدة بمقدار ما تقدّم بي المسار (...) لقد كانت نزهاتي حرّة عبر التاريخ».ويؤكد جان لويس هوو:

«كان الكتّاب هم رفقتي الأكثر إخلاصا. وسيرهم أوحى لهم بكثير من الأشياء والكتابات وروايات الرحلات التي صاغوها بعد ذلك أدبا. هذا مع الإشارة إلى أن كل واحد منهم قد سار في «طريق فريد».

وعبر «تعلّم المشي» يحاول المؤلف القيام بنوع من القراءة للتطور الذي عرفته المجتمعات الحديثة في مسار تطورها. وينقل في هذا الإطار عن البير كامو جملة مفادها: «إن إنسان القرن يتكاثر ويقرأ الصحف». ويضيف جان لويس هوو: «أما إنسان القرن الحادي والعشرين فإنه يقرأ الصحف بدرجة أقل لكنه يمضي الوقت مشدوها أمام شاشات التلفزيون»، وكذلك «يمشي» قليلا.

وفي المحصلة هذا كتاب يحاول مؤلفه أن يبين كيف يمكن للمشي على الأقدام أن يكون طريقة للعيش وصيغة «حديثة» للوجود في العالم إذ لم يكن الجنود الرومانيين ولا جيوش نابليون ولا الفلاحون في القرون الوسطى «يتذوقون» متعة المشي.

الكتاب: تعلّم المشي

تأليف: جان لويس هوو

الناشر: غراسيه وفاكيل باريس 2010

الصفحات: 231 صفحة

القطع: الصغير

L'apprentissage de la marche

Grasset et Fasquelle

Paris2010

Jean -Louis Hue