هناك فرق كبير بين الشراهة للطعام وبين تذوّقه. «التذوق» ملكَة لها أصولها ومعارفها وفي بعض الأحيان «أكاديمياتها»، أما الشراهة فهي «خطيئة كبرى»، كما يشرح كتاب «فلوران كولييه» أستاذ تاريخ الغذاء في جامعة تور الفرنسية، والباحث حول نفس الموضوع في إطار المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

موضوع هذا الكتاب بالتحديد هو «تاريخية الشراهة» على مرّ القرون، وفي مختلف الحضارات، هذا مع التركيز على الحضارة الغربية بنسختها الأوروبية. ويشير المؤلف بداية إلى أن مختلف العقائد ركّزت على ضرورة «عدم الإفراط» في أي شيء، والتمسك بفضيلة الاعتدال. ويؤكد في هذا السياق أن «ثقافة الشراهة» التي انتشرت في أوروبا خلال العصور الوسطى ترتبط إلى حد كبير بالكنيسة التي كانت تلعب دورا كبيرا وجوهريا في تنظيم نمط الحياة الاجتماعية وعلاقات البشر في مختلف الميادين. وكان التعريف السائد للشراهة في إطار تلك الثقافة هو استهلاك كمية من الأطعمة تتجاوز ما يحتاجه البدن منها.

لكن الكنيسة المسيحية كانت هي أيضا وراء انتشار مفهوم «الخطايا الكبرى» عامة، ومن بينها «خطيئة الشراهة» التي جرى إلصاقها بالأغنياء والأقوياء. ووصل الأمر إلى حد توصيفهم بـ «مجرمين ضد أبدانهم». وكانت تلك الفترة هي التي عرفت أيضا «اختراع» بلدان «خيالية» زاخرة بما لذ وطاب بينما أصبح كل بلد من بلدان القارة مرتبطا بنوع من الأطعمة المتميزة كأحد عناوين شهرته.

ويشرح المؤلف اعتمادا على أعمال المؤرخ الفرنسي الشهير جاك لوغوف، المختص بالعصور الوسطى، أن «الوجبات الدسمة» ارتبطت خلال تلك الفترة بحلم القوة الاجتماعية والثروة. هكذا أصبحت «السمنة» و«اكتناز الجسد» دليلا على الانتماء إلى الطبقات العليا في المجتمع بينما أصبحت «النحافة» عنوان الانتماء إلى عالم الفقر والفقراء.

كذلك ارتبطت الشراهة بشكل وثيق في التاريخ الأوروبي بمبادئ ذات طابع أخلاقي. ذلك أنها كانت «خطيئة» من حيث اعتبارها «مقدمة» لولوج حياة البذخ والإفراط في كل شيء.

وكان رجال الكنيسة، بمن فيهم بابا الفاتيكان نفسه باعتباره رأس الكنيسة الكاثوليكية، موضع فقد شيء. بل وكانت مسألة الإفراط في الطعام، أي «خطيئة الشراهة» إحدى النقاط التي أثيرت حولها نقاشات كبيرة في زمن الإصلاح الديني بأوروبا. ذلك عبر المقارنة، بل المعارضة، بين ما سُمي بـ «التقشف البروتستانتي» وبين «الشره الكاثوليكي، اللاتيني».

وعلى خلفية إرث العصور الوسطى حدث نوع من «التمزّق» بين الميل نحو «ملذّات المائدة» والتأكيد على أهمية «المتع» التي يمكن أن توفرها وتجاهل الكاثوليكيين شبه الكامل لانتقادات البروتستانتيين. ومع بدايات عصر النهضة الأوروبي جرى إدخال «تعديلات» على مفهوم الشراهة وربطه بالخطيئة ليظهر «قاموس» جديد ومفاهيم جديدة في عالم الطعام.

هكذا بدلا من الحديث عن «خطيئة» الشراهة أصبح يتم استخدام قاموس يتعلّق بـ «تذوّق الطعام» وعن «فن معرفة الأطعمة» وكأنه أحد فروع المعرفة الإنسانية التي تتطلّب درجة من الثقافة. وبهذه الطريقة أيضا جرى طمس الوجه «القبيح» للشراهة عبر «تزيينه» بصفات ذات مدلول إيجابي، بل وإعطائه بعض «التميّز» وربطه بـ «رهافة الذوق» السليم.

وكانت الثورة الصناعية في أوروبا ووفرة المواد الاستهلاكية قد خلقت علاقات اجتماعية جديدة ومعايير تبتعد عن «البدانة» وتقترب من متطلّب «الجسد النحيل» الذي غدا البحث عن امتلاكه أحد ميادين المنافسة التجارية.

وفي مثل هذا السياق عرفت أوروبا عامّة وفرنسا وإيطاليا خاصة توجها مزدوجا نحو التأكيد على «أهمية» تذوّق الطعام وعلى نوعيتها من جهة وضرورة مراقبة الجسد لأسباب «جمالية» وليس صحية في البدانة، من جهة أخرى. ويشير المؤلف هنا إلى أن الأمر وصل بطبقة النبلاء الفرنسيين إلى حدّ أنها رفعت وجبات فن تذوّق الطعام إلى مصاف بقيّة «الفنون الجميلة» التي اشتهرت بها فرنسا.

وكان لا بد من انتظار القرن التاسع عشر كي يولد ما يسميه المؤلف بـ «فن العيش» الشره. ذلك بمعنى أن «فن معرفة الأطعمة» أصبح بمثابة علم حقيقي لا يستطيع ممارسته سوى أهله والعارفين فيه. ومثل هذه المعرفة تطلّبت إنشاء «أكاديميات» و«مناصب تدريسية».

وغدا هناك منظّرون حقيقيون في هذا الميدان. وكان الفرنسيون في هذا المضمار قد حققوا أيضا سبقا حقيقيا وبنوا ما أصبح يشكل أحد مقومات تراثهم، مع التأكيد على بعده الثقافي وجذوره التاريخية.

الفصل الأخير من الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب مكرّس لـ «الجنس الضعيف»، أي ما يعني العلاقة بين الشراهة والنساء. وهنا يسأل المؤلف: هل ميل النساء إلى السكريات حقيقي؟ وهل هن قادرات على تقييم نوعية الأطعمة؟ وما سر ضعفهن أمام الشوكولا؟

على هذه الأسئلة كلّها لا يجد المؤلف إجابات قاطعة، بل لا يتردد في أن يشير إلى أنها أسئلة بلا إجابات نهائية تقريبا. ويميل إلى ربط «شراهة» النساء حيال الأطعمة المشار إليها إلى «خلل طبيعي» يعود إلى الطفولة.

ثم تتم الإشارة مباشرة إلى إن الطفولة ترتبط عامة في أوروبا، كما في الحضارات الأخرى، بـ «مناسبات» يتم الاحتفال بها عبر التهام ما هو حلو المذاق وليس المر أو الحامض عامة. وبالتالي ربما أن العصر الذهبي لـ «الطفل-الملك» هو الذي يشكل الخلفية التي يبحث كل بالغ، على أساسها، عن ما «يتحلّى» فيه.

بكل الأحوال يرى المؤلف في النتيجة أن «خطيئة» الشراهة خلقت أجيالا تعاني من البدانة وتشكّل أرضا خصبة لأمراض كثيرة.

الكتاب: الشراهة، تاريخ خطيئة كبرى

تأليف: فلوران كولييه

الناشر: ارمان كولان باريس 2010

الصفحات: 334 صفحة

القطع: المتوسط

Gourmandise, histoire d'un péché capital

Florent Quellier

Armand Collin- Paris 2010

334p