للعرب ذكرى في غاية السوء من ذلك الإعلان الذي أطلقه وزير الخارجية البريطاني ارثور جيمس بلفور يوم 2 نوفمبر من عام 1917، والمعروف بـ «وعد بلفور المشؤوم».

وهذا الوعد يشكل موضوع كتاب المؤرخ البريطاني «جوناتان شنير» الصادر قبل حوالي ثلاثة أشهر تحت عنوان: «وعد بلفور: جذور الصراع العربي-الإسرائيلي».

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب بالقول ان وزير الخارجية البريطاني «غيّر من خلال 18 كلمة» مستقبل منطقة الشرق الأوسط عندما أعلن ما مفاده أن «حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف لتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين».ويشرح المؤلف أن الصهيونية كانت قبل ذلك مجرّد حركة هامشية. لكنها حظيت بعد ذلك الوعد بدعم «القوة الإمبريالية ؟ البريطانية- الكبرى آنذاك». بهذا المعنى كان بلفور هو الذي أرسى أسس «دولة إسرائيل» وأسس بالوقت نفسه للنزاع بين العرب والصهاينة. نزاع لم يجد حلا بعد حوالي قرن كامل من الزمن.

الجديد في هذا الكتاب هو أن مؤلفه يحاول أن يضع «الوعد المشؤوم» في إطار توازنات الحرب العالمية الأولى وحيث لم تكن القوى الكبرى تنظر آنذاك سوى إلى مصالحها.

وبالتالي كانت مستعدة لإطلاق الوعود «المتناقضة» تتم الإشارة هنا إلى أن البريطانيين اتجهوا نحو العرب عندما أعلن العثمانيون في شهر نوفمبر- تشرين الثاني 1914 دخولهم في الحرب إلى جانب ألمانيا في مواجهة البريطانيين والفرنسيين ومما هدد بهزيمتهم. لذلك بحثوا عن دعم مواجه وجدوه لدى الشريف حسين.

وقد وعده البريطانيون آنذاك بتقديم الأسلحة والحبوب والأموال ومخلف أشكال الدعم. هكذا في شهر يونيو 1916 أعلن «الثورة» ضد العثمانيين ونشط تحالفه الإستراتيجي مع البريطانيين.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى الدور الكبير الذي لعبه حاييم وايزمان لدى النخبة اليهودية البريطانية الغنية ولدى المسؤولين السياسيين البريطانيين. ووايزمان هو من مواليد روسيا عام 1874، وكان قد غادرها لدراسة الكيمياء في ألمانيا وسويسرا قبل أن يغادر إلى انكلترا ويحصل فيها على وظيفة مدرّس في جامعة مانشستر عام 1904، ثم نال الجنسية البريطانية عام 1910.

ويؤكد المؤلف أن وايزمان استخدم علاقاته الاجتماعية مع عائلة «روتشيلد» ذات النفوذ الكبير ومع ناشر الصحيفة اللبرالية «سي.بي- سكوت». ذلك كله في منظور إجراء لقاء مع بلفور في شهر ديسمبر- كانون الأول 1914 ومع دافيد لويد جورج، وزير الحربية آنذاك، عام 1915 (شهر يناير).

وقد اقتنع الوزيران البريطانيان أن دعم الحركة الصهيونية سيشجّع اليهود الأميركيين لدفع حكومتهم إلى الدخول في الحرب واليهود الروس لوضع ثقلهم وراء القيصر من أجل هزيمة ألمانيا. ويشير المؤلف أن «بلفور» رأى في «وعده» لليهود وسيلة لاستخدام الصهيونية في مد النفوذ البريطاني في العالم.

وما يؤكده المؤلف هو انه أراد «بذل جهود كبيرة للوصول إلى عمق حقيقة ما جرى. ذلك أن عمل المؤرخ هو أن لا ينحاز لأحد». وهو يؤكد القول أن لويد جورج وأرتور جيمس بلفور كانا ينتميان إلى الكنيسة التي تقول بضرورة أن يجتمع يهود العالم في فلسطين. ولكنه يركز على القول ان «سعادتهما» بالعمل على ذلك وجدت ما يدعمها خاصة في «اعتبارات جيوسياسية».

على قاعدة مثل تلك «الاعتبارات» غيّرت بريطانيا مرارا من تحالفاتها مع الصهيونية ومع العرب وحتى مع فرنسا. وهذا ما يُطلق عليه صفة «دبلوماسيات جيمس بوند» حيث أجرى المسؤولون البريطانيون الكثير من المفاوضات السرية مع جميع الأطراف، مع الإشارة أن «لورنس العرب» لم يكن غريبا عن تلك المفاوضات وخاصة فيما يتعلق باندلاع «الثورة العربية» ضد العثمانيين.

أما النتائج الأساسية التي يخلص إليها المؤلف من تحليلاته فقد يكمن أهمها في القول أن تلك الازدواجية التي اتسمت بها السياسة البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية ما بعدها خلّفت أجواء زاخرة بالشك والحقد في فلسطين.

والنتيجة الثانية هي أن الشعب البريطاني لم يكن يعرف أبدا الطريقة التي يفكر فيها قادته، وذلك كالعادة السائدة لدى القادة السياسيين، كما يشر المؤلف. كذلك «لم يكن هناك من يتصوّر في بداية القرن العشرين أن فلسطين سوف تغدو اعتبارا من منتصفه محط أنظار العالم»، كما نقرأ.

إن المؤلف يقدّم في الصفحات الأولى من كتابه لمحة موجزة عن تاريخ فلسطين وتوصيفا لأرضها «التي تشرب من مياه السماء» كما يقول. ثم يشرح على مدى صفحات الكتاب كيف أنها غدت منذ بدايات القرن العشرين موضوع «مفاوضات سرية» لم يكن فيها أي حساب لأبنائها.

وكتاب آخر عن «وعد بلفور» يقدم فيه مؤلفه رؤية بريطانية عن خلفيات اتخاذ ذلك الوعد.

الكتاب: وعد بلفور: جذور الصراع العربي الإسرائيلي

تأليف: جوناتان شنير

الناشر: بلومسبوري لندن 2010

الصفحات: 433 صفحة

القطع : المتوسط

The Balfour declaration : the origins of the arab-israeli conflict

Jonathan Schneer

Bloomsbury - London 2010

433p.