يستهل المؤلف، مصطفى الكيلاني، مباحث كتابه بإثارة جملة إشكاليات نقدية نقاشية معمقة، وهي: ما ماهية التاريخ؟ ولمَ التاريخ؟ وكيف نكتب التاريخ؟ وهل التاريخ استذكار فحسب بغية الاعتبار، بإقرار اللحظة القارئة والماضي الذي هو مرجع القراءة وموضوعها عند تحيين هذا الماضي بالاسترجاع والتحليل والتأويل؟

ويمضي الكيلاني في الإجابة عن هذه الأسئلة، لكنه يقف عند النص الخلدوني (ابن خلدون)، ويعتبر أن التاريخ في هذا النص وإن بدا واحديَّ التسمية والعنوان، فهو المتعدِّد مفهوماً ومنهجاً وتناولاً بحثياً، إذ هو التاريخ المعلن إجراءً كمجمل كتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر».

وهو تاريخ الجزئيات والتفاصيل قريباً من مدلول الوثيقة عند تحولها من المشافهة (السماع) والمعاينة، إلى التدوين بأسلوب شبيه بالسيرة الذاتية وأدب الرحلات، كالتعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً، وهو التاريخ المضمر بدلالة فلسفة التاريخ عند الإحالة على»ما وراء التاريخ»، بما يظهر في بعض المواطن من مؤلفات ابن حلدون، ويتكثَّف في المقدِّمة على وجه الخصوص.

ويشدد المؤلف على أن التاريخ الخلدوني عنوان جامع يستدعي قراءة ثلاثية الأبعاد، تختلف أطرافها وتلتقي ضمن محاولة البحث في ظاهرة تكوُّن مفهوم جديد للتاريخ الذي يبدو عند القراءة التأويلية المتأنية أقرب إلى التبنين منه إلى البنية، وبدء النسق المعرفي منه إلى النسق، كأن يسفر العمل الإجرامي في المشروع الفلسفي التاريخي الخلدوني عن تراكم هائل من الوقائع والأحداث /التجارب، وما يستدعيه الوصف التحليلي من قدر وافر من الموضوعية والمحايدة. مثل ما يشي النص بخبايا الذات، بعديد أحلامها وطموحاتها وهزائمها وانتصاراتها.

ويتابع الكيلاني تفصيل ونقاش نقاط تساؤله، مبينا انه ولو تأسَّس الفكر التاريخي في العصرين القديم والوسيط، وإلى زمن ابن خلدون على مفرد التجربة، تقريباً، بدلالة الاعتبار وحاجة الخلَف إلى معرفة حياة السلَف، فإنَّ هذا الفكر لم يكتف خلال الحديث والمعاصر بمفهوم التجربة المفردة بل أضاف إليها منظوراً جديداً هو الانتظار، بمحصل نتائج المبحث الأنثروبولوجي عند قياس كان على ما يكون أو يمكن أن يكون، وقياس ما يكون وما يمكن أن يكون أيضاً على ما كان.

إن بدء الإضافة المعرفية في مفهوم التاريخ لدى ابن خلدون يتحدَّد أساساً بموقعة المبحث التاريخي في سياق المجتمع، بما أسماه ابن خلدون«العمران» و«الاجتماع».

بعد ذلك يخلص الباحث مصطفى الكيلاني إلى أنه كما أسهم الفكر الخلدوني في بلورة علم التاريخ، واستبق بأفكاره المختلفة بعضاً من العلوم الإنسانية، فإنه يمثل لنا اليوم درساً مرجعياً لا يمكن الاستغناء عنه.

ومفاده منهج التفكير قبل الأفكار، وفن المساءلة قبل محصل النتائج التي أفضى إليها مبحثه، إذ كيف أمكن له المؤالفة بين ثوابت ثقافة النقل ومتغيرات الإجراء بعقلانية الأداء وضروراته التداولية؟ وكيف بمقدورنا إتباع هذا المنهج في المؤالفة دون تكرار أسئلة الماضي الخلدوني، بل بالتموقع داخل(الآن) و(الهنا) بخصوصيات العصر، هذا العصر دون إجحاف في هذا الاتجاه أو ذاك؟ وكيف لنا أن نقتدي في الراهن سيرة ابن خلدون ومنهجه في البحث لفهم»حداثتنا التراثية» وتحقيق حداثتنا الآن؟؟

كيف الاستضاءة بالمنهج الخلدوني في المسائلة لفهم ما يحدث اليوم كونياً، وما يمكن أن يحدث في المستقبل القريب والبعيد؟ كيف للمثقف العربي في راهن الوجود أن يعبر من تجربة ابن خلدون العلمية والسياسية ليحدد اتجاه الفردي في الوجود؟ كيف يسهم من موقعه في حركة التاريخ وحياة المجتمع الذي ينتمي إليه؟

وكذا المستقبل في الفكر الخلدوني هو موضوع للبحث داخل النص التاريخي، باعتباره حقلاً مشتركاً للتجربة والانتظار، ونافذة مشرعة على ما وراء التاريخ، وهو في الآن ذاته موضوع لقراءة النص التاريخي، لأنه الأفق الآخر للانتظار، انتظارنا نحن اليوم، بظروف وجودها الراهن واشتراطات هذا الوجود المستقبلية.

الكتاب: التاريخ والوجود/دراسة

تأليف: مصطفى الكيلاني

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت2010

الصفحات:190 صفحة

القطع: المتوسط

أنور محمد