يستهل الباحث، أشرف أيوب معوض، فصول مناقشته للموضوع، بتحليل وتوصيف طبيعة الموالد القبطية، وكيفية تدليلها القاطع على كون الثقافة القبطية جزءا من بنية الثقافة الشعبية المصرية العامة.
حيث تقام للاحتفال بذكرى قديس معين، ونرى أن تمجيد القديس داخل الكنيسة نفسها من قبل الكاهن والشعب والصلوات هو الجانب الديني الرسمي، أما الاحتفال الشعبي في موكب أيقونة القديس، الذي يتزاحم فيه الألوف لنيل البركة من الأيقونة، والنذور، والأضاحي، وكتابة الرسائل، وكذلك الأنشطة التجارية والترفيهية، والمبيت حول الدير، والوشم، فكلها مظاهر شعبية تواكب هذه الاحتفالات الدينية.
ولذلك نجد أن الأنشطة الشعبية المصاحبة للاحتفال الديني الرسمي لا يختلف فيها المسيحيون عن المسلمين في الموالد القبطية والموالد الإسلامية، فالاحتفالات الشعبية القبطية كان أكثرها ومازال مناسبة احتفالية لكل المصريين بمختلف عقائدهم، لأن هذه الاحتفالات مصرية تتخللها التراتيل والمدائح ومختلف أشكال الإنشاد الديني والأغاني والأهازيج الشعبية التي تنشد في الموالد أو الاحتفالات بذكرى قديس أو قديسة.
ويتضمن الكتاب نماذج من الأغاني الشعبية والطقوس والممارسات الشعبية التي تتم في موالد العذراء بالأديرة المعروفة باسمها، وخاصة في صعيد مصر، ويشارك فيها المسلمون مع المسيحيين، لأن الموالد ظاهرة تاريخية ودينية قديمة قدم المصريين.
ويؤكد المؤلف أن هناك تشابها كبيراً في الموالد بين الممارسات التي تتم عند ضريح الولي ومزار القديس، وينتقل ليبين أن التقويم القبطي للشهور القبطية الذي مازال الفلاحون يستخدمونه في مواعيد الزراعة والحصاد والدورة الزراعية وأوقات البرد والحر والرياح، هو متطابق.
وكذلك الأمثال الشعبية المرتبطة بهذه الشهور، بالإضافة إلى الألفاظ القبطية التي تجرى على الألسنة دون أن ندري أنها قبطية وهي كثيرة، لأن اللغة القبطية لغة مصرية وليست لغة مسيحية، بل يرجع الفضل للكنيسة القبطية في المحافظة عليها حتى الآن، إذ تتلى بها بعض القراءات والصلوات وتستخدم كنقوش في مختلف الرسوم التعبيرية.
ويرصد الكتاب عدة أنواع من أشكال التعبير الفني الشعبي، كالوشم والرسم والنقش والتصوير والأيقونات والزخارف والحفر على الخشب، وكلها في إطار رمزي بسيط يواكب معطيات الثقافة الفطرية عند المصريين.
ويتناول أيضا دراسة عن «الميمر»، وتعنى كلمة ميمر (سيرة)، ويعتبر الميمر من العادات العائلية القديمة وخاصة في صعيد مصر، وهو بمثابة احتفالية قبطية صميمية ضمن مختلف الاحتفالات الدينية أو الاجتماعية الخاصة، مثال ذلك طقس الزواج ويسمى «الإكليل» لأن الكاهن وهو يتممه يقوم بتتويج رأس العروسين أثناء الصلاة بإكليلين، دلالة على النعمة المقدسة التي توجت حياتهما برابطة الزيجة.
ويلفت معوض إلى أن هناك مثال «الحج المسيحي»، الذي تعبر أغانيه عن حالة الفرح التي يكون بها «المقدس» عند زيارته «بيت المقدس» عن وحدة الموروث الشعبي بين الأقباط والمسلمين ومشاعره تجاه كبد العروبة (القدس)، التي تعتبر من أقدم مدن العالم وأهم قضايانا المصرية وأم قضايا الشرق الأوسط، حيث تصور هذه الأغاني اللهفة الجماعية لزيارة القدس وتواكب نكبتها التي ملأت الوجدان العربي بالفجيعة.
ولأن البيئة المصرية الواحدة من شأنها أن تصنع موروثاً شعبياً واحداً، فإن الأغاني التي تقال للحاج المسلم هي نفسها التي تقال للحاج المسيحي أثناء زيارة القدس.
ويؤكد المؤلف أن التراث القبطي هو تراث لكل المصريين ولذلك ينبغي الاهتمام به من كل المصريين، لأنه يمثل حقبة تاريخية حضارية مهمة، ويشيد بالجهود الفردية التي تعنى بهذا التراث، ويطالب بالعديد من المطالب منها تغيير وعي المصريين نحو هذا التراث دون النظر إليه نظرة طائفية، فكل منا، أقباطاً ومسلمين، يدخل في تكويننا الحضاري رقائق من هذه الحقبة، كما ينبغي أن يدخل تغيير وعي الأقباط أنفسهم للاهتمام بتراثهم الشعبي.
وكذلك يجدر الاهتمام بالبحث الميداني لجمع التراث الشفاهي والمادي، كما ينبغي جمع التراث القبطي من الكتب التراثية الموجودة بالكنائس والأديرة، والعمل على سرعة جمع التراث الشعبي القبطي من مرتلي الكنائس (المعلمون)، وخاصة كبار السن منهم، لأنهم فنانون شعبيون يحفظون التراث الشعبي القبطي.
الكتاب: حول الثقافة الشعبية القبطية
تأليف: أشرف أيوب معوض
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة 2010
الصفحات: 328 صفحة
القطع: المتوسط
السيد نجم
