إن أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يتصفح دراسة وليد نمر دقة، سؤال سيخالج كثيرين ممن أتيح لهم تصفحها: أنى لسجين هذه القوة والمرونة والصبر، لينكب على متابعة دروسه حتى الشهادة الجامعية .
هو الذي أعتقل وكان لا يزال حدثا، ولم يتمكن من متابعة دروسه، لكنه يعقد العزم على إكمال تعلمه، فينصرف إلى لملمة معنوياته، متجاوزا ما يحدثه التعذيب عندما يرجى منه النيل من معنويا ت الأسير ومن جسده أيضا، فيستنزف كيانيا إلى درجة الإفلاس.يمهد دقة لكتابه بشهادة موجزة، يعرض فيها لمعاناة الأسير، ولعذابه وإحساسه بالقهر «دون أن يكون قادرا على وصفه، وتحديد سببه ومصدره. انه الشعور بالعجز وفقدان الكرامة الإنسانية ...، فيبدو لك أن ليس العالم وحده قد تخلى عنك، وانما لغتك قد خذ لتك في وصف عذابك وتعريفه ...».
وفي توصيفه للعذاب يذهب دقة في تحليله بعيدا فيصور حالة العجز التي يصاب بها الأسير، فيعجز عن تحمل محاولات القمع التي يعيشها نتيجة التعذيب المستمر الذي يخضع حواسه وعقله لأدوات تعذيب يومي. ويربط دقة بين السجن الصغير الذي يحشر فيه المساجين معزولين عن بعضهم البعض، وبين السجن الكبير الذي يمتد على مساحة الجغرافية الفلسطينية.
ويؤكد دقة أن إفشال المخطط الإسرائيلي الهادف إلى صهر الوعي الفلسطيني يستدعي كشفه والوقوف على تفاصيله، بعيدا عن محاباة الذات والكذب عليها . ويستتبع الباحث الأسير» دقة «التمهيد بعناوين أربعة، يختصر فيها معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية.
يحلل ويناقش ويقرأ في واقع السجون، من خلال إعادة تعريف التعذيب على ضوء منهجيات علم النفس الحديثة، مستفيدا من ما طرحه ميشال فوكو من دراسات وتحليل « لفهم القوة الحديثة واستخدامها في المراقبة والسيطرة » .
ويميل دقة إلى الاعتقاد بأن إسرائيل، ومنذ العام 2004 أنجزت نظاما علميا شاملا وخطيرا، يعتمد أحدث النظريات في الهندسة البشرية وعلم الجماعات بغية صهر الوعي الفلسطيني عبر تفكيك قواه السياسية والعسكرية والاقتصادية وبنى المجتمع المدني، وعبر الإجهاز المنظم على القيم الجامعة للشعب الفلسطيني.
والهدف المرجو من إحداث الصدمة في المعالجة النفسية، يتمثل في إعادة خلق المرضى عبر مسح ذاكرتهم وغرس ذاكرة جديدة وفق مفاهيم وسلوكيات جديدة، كما تبين تجارب الدكتور كميرون الذي يستشهد به المؤلف.
وكذا الأمر بالنسبة للصدمة التي أرادت إسرائيل إحداثها في عقل ونفس المواطن الفلسطيني. فالهدف يتجاوز الإجهاز على المقاومة والفصائل المسلحة إلى العمل المبرمج لمحو مجموعة القيم والمفاهيم، التي تشكل البنية التحتية المعنوية للمقاومة، واستبدالها بقيم لا وطنية يسهل عليها التعاطي معها.
ويفرد الباحث مساحة من كتابه لمناقشة تداعيات الإضراب عن الطعام، والفشل الذي مني به. وهو يرى في هذا الشأن، أن الفشل الأهم تمثل في نجاح إدارة السجون في تفكيك الأقسام المضربة، الواحد تلو الآخر، جاهدة ليتم ذلك بشكل فوضوي وغير منظم ليبدو انكفاء المساجين عن قرارهم أشبه بالهزيمة وأبعد ما يكون عن الانسحاب التكتيكي المنظم، حتى لا تعاودهم الرغبة في الإضراب ثانية.
وإسرائيل بسياستها المتبعة هذه تنجح في تطبيق خطة صهر الوعي. ويورد دقة عددا من الإجراءات التي اتخذتها إدارة السجون الإسرائيلية لتعميق الفصل بين الأقسام داخل السجن الواحد، وإلغاء العمل بلجنة الحوار أو لجنة ممثلي الأسرى وصولا إلى إنزال العقوبات الشديدة الفردية أو الجماعية بحق الأسرى، إن أقدموا على مخالفة بسيطة برمزيتها، كأن يعيدوا وجبة طعام احتجاجا . ولا يتوانى المكلفون بأمن السجون عن إنزال عقوبات شديدة بحق من يضبط معه صورا لقادة فلسطينيين أو شهداء.
الكتاب: صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب
تأليف: وليد نمر دقة
الناشر : الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت2010
الصفحات: 87 صفحة
القطع: المتوسط
بيار شلهوب

