يركّز مؤلف الكتاب، على تناول محادثات السلام، التي جرت بين عامي 1991 و1996، بوصفها الفترة الحاسمة في محادثات السلام بين العرب والإسرائيليين، وعلى الدور الذي لعبته سوريا في هذه المفاوضات، لذلك يقدم خلفية تاريخية، تبدأ مع وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970 وحتى العام 1991، ثم يحدد أهداف سوريا في الصراع مع إسرائيل.

والخلفية التاريخية في السياسة السورية تجاه إسرائيل حتى عام 1991، مع الأخذ في الاعتبار التغييرات الإقليمية والدولية والأحداث الرئيسية التي حصلت منذ عام 1970، بما في ذلك حرب أكتوبر 1973، وأول مفاوضات سلام دولية في جنيف، ومعاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ونتائجه حتى عام 1985، تاريخ استعادة سوريا لنفوذها في لبنان بعد حرب «بالوكالة» مع إسرائيل بين عامي 1982 و1985. ويستند المؤلف في مادة كتابه إلى أعمال المؤرخين المختصين في شؤون الشرق الأوسط وفلسطين وسوريا والتاريخ العربي الحديث، مثل هنري لورانس، ونيكولاس فان دام، وريمون هينبوش، وآلاسدير دريسدال، وأبيرهارت كينلي، وباتريك سيل وغيرهم. ويستخدم أسلوب تحليل الخطاب السياسي للمسؤولين السوريين والإسرائيليين في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى.

كما يأخذ في الاعتبار المقابلات مع المسؤولين والمحللين والصحافيين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين لتحليل مجريات الأحداث، لأن الدول العربية وإسرائيل لم يسبق لها أن نشرت أي وثائق تتعلق بسياساتها الخارجية. كما أن الدول الغربية لا تكشف عن وثائقها قبل مرور عقود عدة. ولأن الموضوع حديث بامتياز، توجب على المؤلف الاستعانة بالتحليلات السياسية والتصريحات التي نشرتها في الصحف.

ويعتبر المؤلف أن حرب أكتوبر 1973 أذنت إلى نهاية فصل من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وبداية فصل آخر، إذ في عام 1975، وقعت مصر معاهدة سيناء الثانية للفصل بين القوات المسلحة الإسرائيلية والمصرية، معلنة انسحابها من الصراع مع إسرائيل، ما أثر في موقف الدول العربية، بما فيها سوريا، في مواجهة تل أبيب. واتخذ النزاع مع إسرائيل معنى آخر بالنسبة إلى سوريا.

وعند استعراض المؤلف لمجريات المفاوضات بين إسرائيل وسوريا، يتبين طوال مدة هذه المفاوضات، أن الطرفين كانا فيها يقومان «بحرب مفاوضات»، وكانت تكمن المشكلة الحقيقية في من الذي سيلعب الدور الإقليمي الأبرز في المنطقة. ولم يكن الجولان هو المشكلة ولا الفلسطينيون، بل من هو الذي سيتمكن من فرض هيمنته على سوريا الطبيعية بالدرجة الأولى، سوريا أم إسرائيل؟.

وعلى الجانب الآخر، فإن الجولان هو بالقدر نفسه من الأهمية بالنسبة لإسرائيل، كونه هضبة تشكل حاجزا دفاعيا ضد هجوم سوري محتمل على إسرائيل. وقد ارتكزت الإستراتيجية السورية في التفاوض بشكل رئيسي على الحصول على التزام أو تعهد إسرائيلي بالانسحاب الكامل من الجولان حتى خط الرابع من يونيو، وأمام هذا الهدف النهائي الاستراتيجي يمكن قراءة جميع التكتيكات السورية أو التنازلات السورية في مجالات الأمن والمياه والتطبيع.

فالأمن على سبيل المثال، عليه أن يكون متكافئاً وتبادلياً لدى الطرفين، لكن شرط ألا يمس السيادة السورية في الجولان، وهو مبرر الرفض السوري الدائم لوجود محطات إنذار مبكر إسرائيلية في الجولان، بوصفها أدوات تشعر السوريين بانتقاص سيادتهم على هضبة الجولان.

ثم تبدد أي أمل بالتفاوض مع وصول جورج بوش الابن إلى السلطة في الولايات المتحدة، حيث اتخذت السياسة الأميركية منحى جديداً، فزاد نفوذ اليمين الأميركي المتطرف والعسكريين داخل الإدارة الأميركية.

وقد استفادت سوريا من الدعم الإيراني لها للوقوف في وجه الضغوط الأميركية، إذ مع حلول العام 2004 كانت إيران محاصرة من قبل القوات الأميركية الموجودة على غربها في العراق، وعلى شرقها في أفغانستان، وقد كسبت سوريا، بالتالي، أهمية جديدة بالنسبة لإيران، بغية تحسين موقعها لمواجهة الولايات المتحدة. وكذلك، فإن وجود القوات الأميركية في العراق كان يشكل تهديداً لسوريا.

كما استفادت سوريا من الامتعاض التركي حيال السياسة الأميركية الحديدة في العراق، خصوصا وأن تركيا تشكك بالنوايا الأميركية بشأن إقامة دولة كردية في شمالي العراق، الأمر الذي من شأنه التأثير في استقرارها الخاص، بغية إقامة تحالف مع تركيا.

الكتاب : سوريا ومفاوضات السلام في الشرق الأوسط

تأليف: جمال واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت 2010

الصفحات: 367 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش