إذا كانت الأمم تُسجل عبقريّة أبنائها في آثار ومنشآت وتماثيل ولوحات، أو في منظومات موسيقيّة وأشعار وملاحم وأساطير، فإن شعبنا العربي الذي أقام في هذه المنطقة من العالم، منذ بواكير الحضارة، سجل تراثه في حِرف ومشغولات وخيوط وألوان ذات بهاء ورونق وإتقان، تمكنت من غزو البلدان المجاورة.
والسفر عبر القفار والبحار، لتصل إلى أسواقٍ خارجيّة غطت بلدان العالم القديم، وبذلك برهن السوريون بخاصة والعرب بعامة، على أنهم أساتذة فن صناعة النسيج والذوق الرفيع.إن هذه الحقيقة، تتأكد يوماً بعد يوم، فقد انتشر النسيج العربي وذاع صيته وكان وما زال مدار بحث واهتمام ودراسة، من قبل عدد كبير من الباحثين الأوروبيين الذين وجدوا فيه، قيماً فنيّة موارة بالجمال والأصالة والعراقة، ما يجعله جديراً بالبحث والدراسة والتطوير.
وهذه الحرف والمشغولات والفنون، عادةً ما تنجزها مواهب فلاحيّة فطريّة صادقة، تمرست ونضجت، عبر الممارسة المجتهدة، والعمل الدؤوب، بدوافع تتماهى فيها، القيم الاستعماليّة بالقيم الجماليّة.شكّلت المنسوجات العربيّة عموماً، والسوريّة خصوصاً، ميداناً رحباً للمشتغلين على الفنون التراثيّة كالتطريز وتصميم الأزياء الشعبيّة وملحقاتها، والبسط والسجاد، وكانت هناك دوماً محاولات لتطوير هذه المشغولات اليدويّة، والاستفادة منها في أكثر من مجال، بما في ذلك توظيف بعض معطياتها في فنون معاصرة، كالتصوير والتصوير الجداري، إضافة إلى استخدامها في عصرنة الثياب و(إكسسواراتها) المختلفة.
من ذلك التجربة المتميزة للفنانة الألمانيّة الأصل (هايكه عوض) التي تدير مركز (عناة) المختص بالتسويق والتصميم الموجود في سوق البزوريّة بدمشق القديمة.
فقد وجدت هذه الفنانة في فن التطريز العربي عموماً، والفلسطيني خصوصاً، مدخلاً للحفاظ على تراث شعبي عريق، وتوظيف جوانب من معطياته الأصيلة والجميلة، في إنجاز مشغولات وفنون معاصرة، مدفوعة بجملة من المحرضات، منها محاولة الإسرائيليين سرقة هذا التراث ونسبه إليهم، ما يستدعي حمايته وتطويره ووضعه في محرك الحياة اليوميّة، وتوعيّة المواطن الفلسطيني والعربي، وتعريفه بتراثه، وفي الوقت نفسه، تعريف الشعوب الأخرى (لا سيما الغربيّة) بهذا التراث والشعب الذي صنعه، القادم من حضارة عريقة وقديمة.
ألوان الشمس
وفي هذا السياق، واستنهاضاً لهذا التراث بشكل معاصر، قام مركز (عناة) بتجربة هامة ولافتة، وهي استنباط طرز من الأزياء النسائيّة الحديثة مستلهمة من الموروث السوري والفلسطيني في حقل الأزياء، بهدف تحقيق هويّة محليّة في الأزياء النسائيّة المعاصرة.
كما قام المركز بالتعاون مع نساء أربع قرى سوريّة من جبل (الحص) الواقع جنوب شرق مدينة حلب، من أجل إنشاء مشروع تعاوني نسائي، يهدف لإنتاج أعمال فنيّة، ومشغولات يدويّة متعددة الاستعمال، تحمل تراث المنطقة، لاسيما بعد أن اكتشفت الفنانة (هايكة) الأعمال الرائعة التي تنجزها نساء هذه المنطقة السوريّة، بطريقة التطريز، وبألوان زاهية رافلة بالحياة، حيث تشمل رسوم الورود والناس والحيوانات ومظاهر الطبيعة المختلفة، إضافة إلى العمارة الريفيّة البسيطة، والجوامع، ومشاهد عديدة من الحياة اليوميّة لإنسان المنطقة.
وحملت هذه التجربة عنوان (ألوان الشمس من جبل الحص) وأخذت الأعمال التي تمخضت عنها طريقها إلى معرض أقيم قبل مدة في صالة المركز الثقافي الألماني (معهد غوته) بدمشق، ضم نماذج رائعة من فنون التطريز والنسيج الفلاحي النسائي.
اهتمام غربي
تقول الفنانة (هايكة) إنها حاولت من خلال هذا المشروع، إعادة إحياء هذا التراث الرائع، بتطريز كروت معايدة، وهي مشغولات لا تحتاج إلى تقانات تطريز عالية، ومنخفضة الكلفة، ولا تحتاج إلى وقت طويل لإنجازها.
وشارك في هذا المشروع حوالي ثمانين امرأة ينتمين إلى قريتين لكل منهما خط فني خاص في معالجة الموضوعات المتناولة في اللوحات. فنساء القرية الأولى، عالجن الموضوعات بإلحاح واضح على التفاصيل الصغيرة، وتأكيد ماهية الشخوص والحيوانات والنباتات والعمارة، بنوع من التسجيليّة الواقعيّة المبسطة والعفويّة المتناهيّة، بينما نساء القرية الثانية يملن إلى استخدام العناصر الغرافيكيّة في معالجة هذه الموضوعات الريفيّة الرائعة، بشيء من الاختزال الذي يصل إلى حد التجريد المعاصر.
واللافت هنا، أن الفن الفلاحي العربي (خاصة النسيج والتطريز والمشغولات النسائيّة)، على غناه الفني والجمالي والدلالي والتعبيري والتراثي، لم يحظ باهتمام الفنان المحلي، إنما كان موضع اهتمام الأجانب، لاسيما الفنانات اللاتي تزوجن من عرب، منهن (هايكة) الألمانيّة المتزوجة من فلسطيني، والفرنسية (أوديل ديمون فوكون) التي كانت متزوجة من الفنان التشكيلي السوري الراحل (مصطفى فتحي)، إذ وضعت هذه الفنانة الباحثة، أطروحة دكتوراه حول الفنون الشعبيّة السوريّة المتعلقة بالنسيج والتطريز والمشغولات المنفذة بالقماش الملوّن، كالمرقعيات والجيابيات وأغطية الطاولات والشالات وغيرها، وقامت بتقديم ما جمعته، في معرض صال وجال في العديد من دول العالم، مثيراً إعجاب ودهشة واحتفاء كل من شاهده.
فن التطريز
ترى الفنانة (هايكة) أن فن التطريز موضوع شيق وطويل، وللفن الفلسطيني في هذا المجال، خصوصيّة، سواء على صعيد القرية أو المدينة، ذلك لأن لكل مدينة أو قرية رموزها الخاصة بها. والتطريز الفلسطيني هو فهم للجمال والحياة والدين والوجود الجمعي، وهو غني بالرموز. وتعتقد أن البحث العلمي في ذلك غير متطور حتى الآن، إلا أن هناك بعض المعطيات المهمة.
ففي الجنوب (بئر السبع) مثلاً، نجد إيلاء أهميّة كبيرة للثوب الأزرق، خصوصاً للفتاة غير المتزوجة، وذلك لأن اللون الأزرق حسب المعطيات هناك، يحمي الفتاة من الشر والأذى. وهذا في ما تلبس الأم اللون الأحمر، وهذو دليل على ارتباط التطريز بالمعتقدات والأساطير، مثال ذلك وجود الصليب في خرزة الثوب، حيث يقطع الخير المتمثل بالعمودي الشر المنتشر بالأفقي.
وتؤكد الفنانة (هايكة) أن لموقع التطريز على الثوب الشعبي أهمية في فهم التراث. فالثوب الفلسطيني كان يُطرز على الأطراف فقط (الكم، القبة، الجوانب) والعبرة من ذلك أن الجوانب والأطراف هي الأماكن الأضعف والأخطر على حياة الإنسان. أما المثلث في (الميثولوجيا) العربيّة، فيعبّر عن التوازن الكوني بين الوجود والأرض والسماء.
ويمكن خلق أشكال هندسيّة كثيرة من تتالي وتتابع أو تصالب المثلثات. كأن تُشكّل النجمة الثمانيّة التي ترمز لكوكب الزهرة (وقد ظهرت هذه النجمة في التصوير الجداري الكنعاني) كذلك فإن الأبجديّة الكنعانيّة تعتمد على المثلثات.
الدائرة السحريّة
تعزو الفنانة (هايكة) وجود الدائرة في زخارف التطريز إلى أسباب (ميثولوجيّة) أكثر منها فنيّة، فالدائرة من الرموز التي تزرع الأمان، لذلك نجد بيوتا دائريّة، ورسومات جداريّة كنعانيّة دائريّة، وقد تحيط الدائرة السحريّة بآلهة الخصب الكنعانيّة لحراستها وحمايتها.
وصيغ التطريز ونوعه يختلفان من منطقة إلى أخرى، ففي المناطق الصحراويّة غير عن الحال في الجبل، وفي المدينة يختلف عنه في القرية، حيث يحاول الفلاحون محاكاة الطبيعة بشكل تجريدي، وللدين الإسلامي دور كبير في نوعيّة المحاكاة، حيث لا تتم في الفن محاكاة المخلوقات الحية، وإنما تقتصر على الزخارف المجردة، النباتيّة والهندسيّة. وهذه الزخارف، تزداد في ثوب النساء في القرية أكثر منه في المدينة، وذلك يعود لعوامل اجتماعيّة وثقافيّة.
ومن جانب آخر، تزداد غزارة التطاريز من منطقة إلى أخرى، وفق فراغ المرأة، حيث يزداد التطريز في الثوب لدى النساء اللواتي لديهن فراغ أكبر، حيث تطول الزخارف والتطاريز، إضافة إلى:الثوب، الخيم، وأغطية الطاولات، والستائر، وحاجات يوميّة أخرى. وكانت العناصر الزراعيّة كالسنابل والنخيل والورود، هي الغالبة في هذه التطاريز.
طابع فني وإنساني
ترى الفنانة (هايكة) أن للتطريز الفلسطيني طابعا فنيا وإنسانيا، إذ كانت المرأة الريفيّة الفلسطينيّة تعبّر من خلاله عن حالاتها النفسيّة والحياتيّة المتنوعة. بل كانت تضع جزءاً من روحها في هذه التطاريز، لكن مع ازدياد التفاوت الطبقي.
ونزوع المرأة الغنية لاستخدام فتيات بالأجرة، من أجل تطريز ثيابها، فقد الثوب الشعبي الفلسطيني روحه الإنسانيّة المعبّرة، غير أنها تستدرك مؤكدة أن مركزها لم يتعامل مع هذا التراث الأصيل والثر والجميل، بمنطق تجاري، وإنما برغبة عارمة للعودة إلى الجذور والأرض، وقد انعكست هذه الرغبة في الفن الفلسطيني عموماً، وما يشتغلون عليه خصوصاً.
حيث يقومون بتوظيف الأشكال التراثيّة للتعبير عن ثورة وانتفاضة الشعب العربي الفلسطيني، وضمن هذا السياق، ظهر (ثوب الانتفاضة) و(ثوب طائر الفينيق) الذي ينبعث من رماده ويتجدد دوماً، وثوب (مويل الهوى)...
وفي هذه الثياب، يستخدم المعمار العربي زخارف وكلمات، إضافة إلى الأشكال المشخصة كالجوامع والكنائس، والحصان رمز الكبرياء والجموح والتحدي، وكل ذلك بتعانق عنصري الخط (الرسم) و(اللون) الذي يجب أن يأتي متوافقاً ومنسجماً مع الخط والعناصر والأشكال التي يشكلها هذا الخط.
محمود شاهين


