تقود القراءة المبدعين، إلى إطلالات على عوالم مختلفة تستعيد ذلك الماضي وتضعه في الحاضر. وهي عموما ترحل بنا إلى بلاد لم نرها، وتغير الكثير من المفاهيم، والقناعات، لنعيد في الكثير من الأحيان، تشكيلها من جديد.
وهو التشكيل الذي لابد أن يؤثر عليه وفيه المجتمع الذي يعيشه الإنسان مع اللغة التي يتكلمها، وبذا فالقراءة جزء من اللغة، واللغة وسيلة للتواصل، والتفاهم، والتبادل المعرفي، كون اللغة تتألف من قراءة وكتابة وقواعد، ومن هنا كانت القراءة وسيلة لاستقبال المعلومات. وبمعنى آخر هي وسيلة للتثقيف، وكل هذا يتم عن طريق استرجاع المعلومات المسجلة في المخ. وفي مصطلح علم الحاسوب تعتبر القراءة استرجاع معلومات من أماكن تخزينها على الحاسوب كالأقراص الصلبة.
أوجدت طبيعة العصر الحالي، بما وصل إليه من تطور معرفي وتكنولوجي، اتساع مفهوم القراءة، وأصبحت القراءة عقلية انفعالية، تشتمل على التفسير عن طريق فهم المعاني، والربط بين الخبرة السابقة للقارئ، التي تؤدي إلى التذوق، وبين إصدار الأحكام والنقد.ومن هنا جاءت أهمية ربط القراءة بالابتكار والإبداع، وخرجت من مفهومها التقليدي الذي لا يتناسب مع أغراض العصر إلى القراءة الإبتكارية، التي تجعل من الكتاب مصدرا للتفكير والإبداع واستحضار الأفكار المخبأة، وذلك من أجل مزجها بالتخيل، ليزداد رصيده من المادة المقروءة، ويصبح قادرا على توظيفها واستخدامها وإعادة كتابتها من جديد.
ولكن تبقى أهمية القراءة بالنسبة للمبدعين ذات خصوصية هي مكتشفة منذ عصور، فالمتنبي طلب عندما كان يافعا، من أحد الوراقين تعليمه كتابة الشعر، فقال له أحفظ ألف بيت من الشعر ومن ثم أنساها وبعدها ستكتب الشعر، وهذا دليل على أن الكتابة أحيانا هي تراكم معرفي، إلى جانب القدرة الإبداعية.وفي عالم الأدب تشكل القراءة، وبالتالي الثقافة، أهمية كبيرة بالنسبة للأديب، خاصة عندما يضطر إلى استحضارها في كتابته بألف طريقة، بعد أن تكون قد تخمرت في عقله لتظهر مرة أخرى ممزوجة بإبداعه، ومصاغة على طريقته.وللقراءة طقوس في عالم المبدعين تثير العديد من التساؤلات. مثل: هل يقرأ المبدع قبل البدء في مشروعه الأدبي؟ ومتى يتوقف الكاتب عن كتابة عمله ليقرأ كتابا؟ وإلى أي مدى تحفزه هذه القراءة؟ وماذا يفعل إذا أراد التأكد من معلومة سيستخدمها؟
مخزون معرفي
تمهد القاصة باسمة يونس، للكتابة الإبداعية، باستعادة مخزونها المعرفي السابق، وقالت في هذا الخصوص: «أبدأ بقراءة كتب كنت قد قرأتها من قبل، ما يؤدي إلى إنعاش المعلومات المختزنة، وهذا ما يخلق نوعا من التناغم في الكتابة التي هي مزيج من اللغة والتقنيات التي تحتم علينا أن نطورها باستمرار.
ومن هنا قد يلفت انتباهي أسلوب كاتب ما، ويقودني هذا إلى تقنيات وأساليب جديدة، وليس من الضروري أن يأتي هذا بعد قراءة كتاب أدبي، بل قد يكون عملا فكريا فلسفيا، أو في مجال العلوم، وهو ما يقود لتقديم أشياء مختلفة».
ومن هذا المنطلق ترى يونس أنه على الكاتب أن يبحث ويبصر. وتتابع: «يجب على المبدع أن يعود إلى الكثير من المصادر، بما فيها أمهات الكتب ليكتشف العديد من الحقائق، ومنها التاريخية. وهذا ما يدفعني إلى أن استعين بالقراءة لأطلق أفكاري، فالقراءة في كتاب آخر أو في صحيفة قد يقودني إلى مفتاح رواية أو قصة».
وعن الاستعانة بمصادر للتأكد من معلومة ما، قالت يونس: «أرى أن الكتاب في الغرب متطورون أكثر منا بكثير، فالكاتب العربي يثق بمعلوماته إلى درجة النرجسية، بينما نجد أن الإبداع في الغرب يجعلنا نقترب من الواقع بطريقة عملية وفلسفية، وإن لم يستطع الكاتب التأكد من معلوماته يلجأ إلى من يساعده من أجل إظهار المعلومة الحقيقية، من أجل أن لا يكتبها بشكل ساذج.
وأضافت يونس: « أعود إلى مراجع وأبحاث أحيانا، ولا أعتمد في البحث على الإنترنت فقط، بل على مصادر كثيرة، كما استعين بالإنترنت عندما أشك في أحد العناوين التي أختارها لقصة كتبتها، ولأجل أن لا يكون عنوانها مشابها لأية عناوين أخرى أكتب على «غوغل» العنوان الذي اخترته، كي أتأكد أنه لا يتطابق مع عنوان آخر».
وختمت: «لا يوجد كاتب حقيقي بدون ثقافة ومعرفة واختلاط ومعرفة بأحوال الساحة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لكننا للأسف ومن واقع التعامل نرى أن الكثير من الكتاب لا يطلعون، بل يدخلون إلى الساحة الثقافية للتواصل بالكلام، والكلام ليس ثقافة، فالثقافة عميقة في الداخل، لا فقط معلومات خضعت للاختبار.
خصوصية
وفي معرض كشفه عن طقوسه الإبداعية، أكد الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم أنه لا يقرأ أبدا أثناء الكتابة. وتابع: «أعتقد أن القراءة أثناء الكتابة توجه المبدع نحو موضوع قراءاته، أكثر من كونها تثير قريحته لإنتاج عمل أدبي له خصوصيته، ونابع بشكل صرف ومعبر عن نفسيته، بينما توجه القراءة المبدع حسب بوصلة الآخرين، فالكتاب نتاج فكري وعاطفي لشخص آخر، كتب متكئا على حالته الخاصة، وإذا اتكأت عليه سأكون مقلدا».
وعن استعانته بكتب معينة لمعرفة صحة معلومة ما يستخدمها في إحدى قصائده، قال إبراهيم: «لا بأس حين أريد التأكد من لفظ بعينه، وليس أي شيء آخر، فالقصيدة تنقسم إلى قسمين: الأول عاطفي صرف، والثاني معلوماتي.
وهو ما له علاقة باللغة أو النحو والصرف وما إلى ذلك. وعندما تُكتب القصيدة تُكتب بمنتهى التلقائية، ولكن قد تعترض الكتابة كلمة ما، قد يشك الشاعر بصحتها. وهنا عليه أن يرجع إلى القاموس.
وهكذا لا أظن أنه يمكن أن يوجد شاعر أو أديب متميز إلا وهو مثقف، وكلما ازداد المبدع اطلاعا في مجالات كثيرة، مثل الإطلاع على الفلسفة والمنطق والديانات والتاريخ والسياسة وعلم النفس، حتى في الإدارة التي أفادتني، يكتسب أهلية أقوى وأقوم.
وهكذا يصعب علينا أن نحلل كل مجال من هذه المجالات، فهذا الكم من القراءة والمعرفة يختمر بشكل من الصعوبة تفسيره، فالمزيج من الفلسفة والتاريخ والديانات يظهر في القصيدة، وكلها تخرج مثل السبيكة التي تتألف من الذهب والنحاس، ولكن ينظر إليها ككل متكامل، وعندما يعرف أنه هنا ذهب وهنا نحاس، فهذا يقلل من قيمة القصيدة».
وأضاف إبراهيم: «إن النجاح منتج يأتي لتراكم لا متناهي من المعلومات والثقافة، ومن ثم حين يتم تحليل النص فهذا شيء يخص الناقد الذي يستطيع أن يحلل ثقافة هذا الشاعر عندما يحلل نصه، أو تأثره بغيره، وما إلى ذلك».
هاجس
تؤكد القاصة أسماء الزرعوني أنها مغرمة بالقراءة. وتتابع: «أقرأ باستمرار كل جديد، وكل ما يلفت انتباهي. وفي بعض الأحيان ابتعد عن الكتابة لأقرأ الكتب التي اقتنيتها.
ودائما أجد أنه تترسخ اللغة الجميلة في كتاباتي، فالقراءة خلاصة عقول الآخرين: مفردات أخرى، لغة غنية، أفكار متنوعة». وتضيف الزرعوني: «هناك كتب كثيرة أثرت في حياتي، فقد قرأت مبكرا روايات يوسف السباعي، و دواوين كبار الشعراء العرب، مثل المتنبي وغيره.
وقرأت أحيانا بعض الكتب أكثر من مرة مثل كتاب (سرد الذات) لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حيث أثر في نفسي بطريقة كبيرة، كون أجواء الكتاب، بما يحتويه من وصف الأمكنة، تمثل جزءا من ذكريات عشتها».
ترتكز الزرعوني في كتابتها في بعض الأحيان، على القراءة من أجل الحصول على معلومات صحيحة، وأوضحت في هذا الخصوص: «في روايتي الأخيرة، والتي هي الآن قيد الطبع، بعنوان «شارع المحاكم»، تطلبت مني الأحداث معلومات تاريخية، ولهذا عدت إلى بعض الكتب لأجل التأكد من دقة بعض المعلومات.
فيض القراءة
و يقول القاص إبراهيم مبارك، عن دور وتأثير القراءة في ماهية إبداع الروائي أو القاص أو الشاعر: «القراءة مهمة بالنسبة لي قبل الكتابة، ولابد على من يكتب أن يمتلك زوادة كبيرة من القراءة، فالكتابة فيض القراءة خاصة إن كانت رأيا أو فكرة أو خاطرة، فهي تحتاج إلى ذخيرة كبيرة من المعلومات.
ومن الإطلاع، لكن في العمل الإبداعي كالقصيدة والقصة لابد أن يتوقف الكاتب عن القراءة، ويظهر ما عنده من أفكار، ولا تحتاج مني كتابة القصة أن أتوقف لأقرأ كونها نابعة من الداخل، وحين يحدث وأتوقف لأقرأ يكون هذا في حالات معينة كالخاطرة، والمقالة».
ويضيف مبارك: في المقالات هناك استشهاد أو استدلال، وقد نكتب عن شخصيات أو ناس، أو عن فترة تتوجب علينا التأكد من المعلومة مائة بالمائة، مثل الكتابة عن مرحلة تاريخية أو مبدع مثل الشاعر الراحل محمود درويش.
وهو ما يتطلب منا معرفة كل شيء عنه، من تاريخ ميلاده إلى أعماله ودواوينه، لكن يختلف الأمر في العمل الإبداعي، كونه فيضا نابعا من الوجدان، خاصة في كتابة القصة القصيرة، أو القصيدة التي تأتي من الداخل، حتى لو ظهرت ثقافة المبدع في أكثر من منطقة، إلى جانب خبرته اللغوية.
لكن الحال يختلف كليا عند كتابة الرواية التي قد تستلزم الكثير من المعلومات الموثقة. وبذا فإن الثقافة والتزود بالمعارف والقراءات الجديدة، مهمة دوما، وذلك كونها تشكل ذخيرة لا يستهان بها من الإطلاع والمعرفة».
عبير يونس



