«من الطبيعة الصامتة تعلمت فنون الواقعية ،ومن رسمي لمشاهد الطبيعة العالقة في ذاكرتي تعلمت الانطباعية .

ومن المجلات والصحف تعرفت على لوحات الفنانين ،وبعد عودة روادنا من دراستهم زرت للمرة الأولى معرضاً تشكيلياً» . هذا ما عنون به حديثه الفنان الاماراتي مطر بن لاحج في حواره مع « مسارات».ركّز ابن لاحج في حديثه على التطرق إلى واقع وحقيقة أن المعارض التشكيلية تقدم بين الحين والآخر ومضات لإبداعات مجموعة من الفنانين الإماراتيين من جيل الشباب، والذين تثير أعمالهم الإعجاب والدهشة لتميزها، خاصة في إطار الفن الواقعي الذي يتطلب موهبة ومهارة لا تأتي إلا بالتمرس الطويل، لكن هذه المواهب سرعان ما تختفي وتغيب. واعتنى الفنان بالإفاضة في شرحه لكشف لغز هذا الغياب.

ولا شك في أن الفنان ابن لاحج هو الأقدر على كشف أسباب غياب الفنانين الإماراتيين من جيل الشباب الذين يتمتعون بموهبة فنية استثنائية، لكونه على تواصل دائم مع تلك المواهب، سواء من خلال الدورات الفنية التي يقيمها في مرسمه، أو من خلال دوره في تنظيم الورشات للطلبة والمعلمين في المدارس، أو في مشاركته في لجان تحكيم المسابقات الفنية المرتبطة بالأجيال الناشئة، وغيرها من النشاطات التي تقام في عدد من إمارات الدولة.

لغز الغياب مطر بن لاحج من الفنانين العصاميين الذين علموا أنفسهم بأنفسهم، والذين استطاعوا صقل موهبتهم وتطوير أدواتهم الفنية بجهودهم الخاصة، بدافع واحد هو شغفهم بالفن الذي دفعهم منذ الطفولة إلى المثابرة وتجاوز الصعاب التي تغلبت على مواهب العديد من الفنانين. وقد أبدى الفنان مطر في مرسمه ذي المساحات البيضاء، المسور بحديقة رحبة خضراء، والكائن في شارع الضيافة بدبي، أبدى حماساً واهتماماً كبيرين بكشف لغز الغياب المتكرر للفنانين الشباب:

«التقيت خلال السنوات الأخيرة بما لا يقل عن 100 موهبة فنية استثنائية من جيل الشباب، وذلك من خلال مشاركتي في العديد من ملتقيات الطلبة، وفي المدارس، وفي دورات الرسم التي أقيمها هنا، لكن لا يزيد عدد من استمر منهم حتى يومنا على 12 شاباً وشابة. وهذا أمر محزن».

أشار مطر إلى أن أسباب هذا الغياب تعود إلى مجموعة عوامل، منها المرتبط بالبيئة والمجتمع، ومنها ما يعود إلى نقص الرعاية وغياب الحوافز لاستمراريتهم. ويطرح ابن لاحج مثالاً على دور البيئة والمجتمع في رعاية الموهبة، يتجسد في تجربته الخاصة.

الذاكرة الأولى

وحول بدايات مشواره الفني، يقول ابن لاحج: «تعود ذاكرتي الأولى من الطفولة، إلى الرمال، حيث كانت لوحاتنا في السبعينات مساحات الرمال في باحة الدار بعد ترطيبها. وكان معلمي الأول هو الخادم الذي كان يمهد الأرض، لنرسم بالعصا كل يوم، شيئاً ما.

كان ذلك من باب التسلية، لكن حب الرسم بقي معي، لأنتقل من حبيبات الرمل إلى أي سطح متوافر آنذاك، كجدران البيت وورق أكياس الاسمنت أو أكياس الطحين. وبعد حين استبدلت العصا، بفحم الخشب الذي كنا نحصل عليه من الموقد».

وأضاف: «في روضة الأطفال انتبهت مدرستي زينب إلى قدرتي في الرسم، وحين حاولت تشجيعي برفعي إلى طاولتها ليصفق لي الأطفال، سكنني الخجل ورغبت في الهرب. في هذه المرحلة استبدلت الفحم بالقلم وبقايا الطباشير، والأكياس الورقية بهوامش الدفاتر والكتب. ولم يكن يتوافر، آنذاك، أي أدوات أو مراكز للفنون، كما كانت حصة الرسم تعتبر (تحصيل حاصل).

وحين انتقلت إلى الإعدادية، عرضت على الأستاذ إحدى رسوماتي فوبخني وعنفني لاعتقاده بأنني أدعي رسمها، وعندما أكدت له أنها من رسمي، طلب مني رسمها على السبورة أمام الطلبة، وما إن بدأت برسم هيكل اللوحة حتى أمرني بالتوقف مع مزيد من التوبيخ! كان مثل هذا الموقف، كفيلاً بترك الطالب للرسم، لكن عنادي وإصراري دفعاني للاستمرار، وإن استمرت قطيعتي مع الأستاذ على مدى سنوات الدراسة».

وتابع ابن لاحج: «وطبعا لم يكن أحد يهتم أو يدرك قيمة الموهبة الفنية آنذاك، إذ كانت في نظر المجتمع جزءاً من مراحل الطفولة في إطار اللهو والتسلية. ربما تغيرت نظرة المجتمع المحلي إلى هذا الأمر حالياً، ولكنها لا تزال في المجمل، في إطار تعبئة أوقات الفراغ في العطلات».

أكاديمية الحياة

يشرح الفنان مطر ماهية استقائه من أكبر وأرحب وأعظم مدرسة فنية بالنسبة له :«في الثمانينات، في المرحلة الثانوية تحديدا، بدأت بالاطلاع على المجلات الأجنبية ومراسلتها للحصول على احتياجاتي من أدوات الفن، ومع افتتاح المحلات التجارية الخاصة بأدوات الفن شرعت بتجربة مختلف أنواع الألوان، دون تمييز في كيفية استخدامها، فكنت أرسم الزيتي على الورق والجدار وغير ذلك.

كما بدأ في تلك المرحلة اهتمامي بالتصوير الفوتوغرافي، وكانت مشاركاتي الفنية تنحصر في ما يطلبه مني المدرسون من أعمال فنية في إطار المناسبات. وكانت مدرستي الفنية آنذاك، هي المحيط الخارجي.

كنت أرسم كل ما تقع عليه عيني، فمن الطبيعة الصامتة تعلمت الواقعية، ومن مخزون ذاكرتي في رسم الطبيعة تعلمت الانطباعية، ومن الخيال وتصور الأحداث التي كان يرويها والدي الذي يتمتع بمهارة الحكواتي والتي كنت أرسم أحداثها، تعلمت الرمزية. ومع عودة روادنا الفنانين الأوائل من دراستهم في الخارج وعطائهم في الساحة الفنية، تعرفت للمرة الأولى إلى المعارض وكيفية التعامل مع تقنيات الألوان ولوحة الكانفا».

وعي البيئة

وأوضح مطر أن بدايات رحلته الفنية، تشير إلى البيئة التي تشبه في كثير من جوانبها الزمن الحالي. وأضاف قائلاً:«لا تساعد كثيراً المراكز الفنية المتوافرة حالياً، في إطار مشاركة المجتمع المحلي، لكونها بعيدة ولا تتناسب مع مواصفات البيئة العربية، سواء على صعيد اللغة أو الجو العام الذي لا يشجع أهالي الأطفال. كما أن المراكز العربية المتوافرة تبقى في الإطار الأكاديمي التعليمي الوظيفي الذي لا يشكل عامل جذب للأطفال.

وتابع: «هناك فرق كبير بين تعليم الطفل كيفية استخدام الفرشاة وأنواعها، وبين التعرف إليها بصورة غير مباشرة من خلال التعامل معها في الرسم. والأمثلة كثيرة في هذا الإطار.

ولا يزال الوعي بضرورة رعاية مواهب الأطفال محدوداً، إذ يقتصر الاهتمام بهم فقط خلال إجازات الصيف».

وأكد الفنان، من خلال تجربة مرسمه الذي افتتحه عام 2003، مع شقيقه يوسف الذي عاد من الولايات المتحدة بعد تخرجه، أنه واجه صعوبات عديدة وعلى مدى سنوات في اختراق البيئة المحلية وإقناع الأهالي بأهمية مشاركة أطفالهم في الدورات الفنية، والاهتمام بمواهب أطفالهم أينما وجدت، وقال مطر بهذا الصدد:

«واجهت الكثير من الصعوبات على الصعيدين المعنوي والمادي، وفي عام 2007 كان علي متابعة الرحلة في المرسم بمفردي، خاصة وأن ما أبذله من جهود يتزامن مع مسؤولياتي الأسرية من جهة، والعمل من جهة أخرى. وبالطبع توقفت الكثير من الأنشطة الخاصة بالدورات لأسباب مادية. وكان يسكنني هاجس القدرة على تنشئة شريحة من الأطفال الموهوبين في الفن التشكيلي».

عودة الغائب

وبالعودة مرة أخرى إلى أسباب الغياب، قال مطر:« إن الجامعات الحالية لا تخرج فنانين تشكيليين، وهي تفعل على صعيد الفنون البصرية الأخرى كالتصوير الفوتوغرافي أو الغرافيك، أما في الفن التشكيلي فلا.

حيث إنه يتطلب أكاديمية متخصصة. إضافة إلى أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع الرسم بالأسلوب الواقعي الذي يعتبر المدرسة الأولى والأساسية لكل فنان، وللأسف فإن الإعلام يسلط الضوء على بعض الشباب الذين لهم تجارب محدودة في هذا المجال، لمجرد أنهم إماراتيين، ما يشعر هؤلاء الشباب بأنهم وصلوا إلى القمة وهم لا يزالون في المهد- كما يقال.

ولا يكفي أن يمتلك الشاب أو الشابة بضع تقنيات ليصبح فناناً، بل عليه أن يبني نفسه على الصعيد الفكري والروحي والتقني. إن المواهب الشابة التي شاركت في رعايتها، محدودة العدد، وهي في أغلبها تمت بفضل، ومن خلال تعرفي إلى تلك المواهب في دورات المرسم قدر المستطاع، منذ كانوا أطفالاً، وذلك مثل أحمد الشحي وفريد الريس وراوية الملك ومسفر النهدي وغيرهم.

فهذه المواهب تحتاج إلى متابعة في الرعاية والتشجيع، وإلى توفير مراكز فنية غير تقليدية في مختلف الإمارات، لتدار من قبل فنانين يسكنهم شغف الفن وحب العطاء، بعيداً عن المفهوم الوظيفي في العمل، وأيضا مع توفير البيئة المريحة والملائمة للمجتمع العربي، إلى جانب رعاية المؤسسات الحكومية للفنانين، وتنظيم العديد من الحوافز كالمعارض الدورية والمسابقات الفنية التي تشرف عليها لجان فنية ذات مصداقية، مع الاهتمام بارتقاء وعي المجتمع المحلي بدور وأهمية الفن وارتباطه بالحياة».

رشا المالح