أليس معيباً أن نعود للحديث عن قصيدة النثر بعد مرور أكثر من نصف قرن على ظهور التسمية وشيوع شكلها وتحولها من حالة نافرة إلى واقع إبداعي؟ معيب أن نراوح في ذات النقطة الأولى ولكن هذه المرة أقسى من قبل.
ليس على قصيدة النثر وحدها، بل على مجمل الكتابة الإبداعية العربية من حيث التصنيف والفرز والتسمية. فقد تكدست مئات الإصدارات في المكتبات وهي تصنف ذاتها في الحقل الذي ترغبه، مثلا تحولت الطرفة إلى قصة قصيرة، المذكرات اليومية إلى رواية، المقالة الانطباعية إلى نقد، الرسائل الجامعية إلى نظريات، الأبيات النظمية إلى شعر. والخواطر أصبحت قصيدة نثر!
هذا جهل في التصنيف سببه غياب النقد من جهة أولى، ونشوء ثقافة المحاباة من جهة ثانية، وسهولة النشر من جهة ثالثة. لذلك نشأت في الحياة العربية المعاصرة ثقافة السرعة المتوافقة مع إيقاع العصر، حيث تكتب الرواية في أسبوع وتنشر خلال أيام، وكذا حال باقي الحقول الكتابية.
لكن الأمر يبدو مختلفاً مع قصيدة النثر التي يأتي على التقليل من شأنها كل من يجهل وظيفتها الشعرية، ويقوم هؤلاء بمقايستها وفقاً لما أنجزته القصيدة العربية منذ «أبا ربيعة المذحجي» أقدم شعراء العرب، بينما لا أحد يجرؤ على ذلك مع القصة أو الرواية أو النقد، باعتبارها فنونا ليست عربية.
تلك المقايسة ليست في صالح قصيدة النثر، ليس لأنها مقطوعة الجذر بل لأنها فن مختلف تماماً عن مفهوم «مكر مفر مقبل مدبر»، ولا يمكن تصنيفها ضمن المنجز الشعري العربي القديم. إنها فن جديد ولد حديثاً ويجب التعامل معه وفقاً للزمن الحاضر وليس للزمن الماضي.
وفي سياق الفنون الحديثة كانت الرواية شكلا من أشكال القص العربي القديم، لكن لا أحد يقايسها بـ «أبي كعب القاص»، أو بما رواه «حماد الراوية» أو «ابن طفيل»، لأن المقايسة جائرة لاختلاف الأزمة، لكن يتجرأ البعض على قصيدة النثر، ويبحث عن تاريخها فلا يجد لها سنداً لدى الأقدمين.
يحدث ذلك في عصر التقنيات المتطورة، في زمن كان على الإنسان العربي أن يتخلص من أمراض الأمس، لكنه يغرق فيها ويزيد عليها عبارات تكفير وتخوين وقلة انتماء وشدة انسلاخ لكل من يكتب قصيدة نثر.
حقاً إنه عدو ما يجهل.