«سبارتاك موسكو»، هو أحد أشهر نوادي كرة القدم في التاريخ الروسي كله، والسوفييتي منه خاصة. و«سبارتاك موسكو» هو عنوان كتاب المؤرخ الأميركي، وأستاذ التاريخ في جامعتي كاليفورنيا وسان دييغو روبرت ادلمان الذي يحكي فيه «قصة فريق الشعب في بلد العمّال»، هذا كإشارة واضحة إلى الاتحاد السوفييتي السابق.
إنه كتاب عن الرياضة إذن وعن كرة القدم السوفييتية من خلال نادي سبارتاك موسكو. لكنه أبعد من هذا بكثير إذ هو في الواقع أيضا كتاب عن الحياة اليومية للروس في ظلّ جوزيف ستالين ونيكيتا خروشوف ومن جاء بعدهما من قادة الاتحاد السوفييتي. ولا يتردد المؤلف في القول إن الملايين من أبناء موسكو قد حضروا مباريات «فريقهم المفضل» الذي لم يكونوا «يساومون» على محبته. بل وكانت مظاهر حماس جمهور المشجعين و«صرخاتهم» على المدرّجات بمثابة «لحظات من الحرية النسبية» في مجتمع لم تكن الحرية تمثل خبزه اليومي، بل التقيّد بالقواعد الصارمة المفروضة.ويشرح المؤلف كيف أن تشجيع سبارتاك كان يمثل «طريقا ضيّقا وآمنا» بالوقت نفسه من أجل قول «لا» للنظام الستاليني.
وبالتالي يحدد ادلمان القول إن فهم «سبارتاك موسكو» يشكّل عاملا هاما في فهم الآلية التي جسّدت فيها كرة القدم واقع الحياة اليومية السوفييتية.إن المؤلف يقدم في هذا الكتاب تأريخا لمسيرة «سبارتاك موسكو» منذ تأسيسه عام 1935 من قبل الاخوة «ستاروستين» الأربعة.
لكن نواة هذا النادي سبقت ذلك التاريخ بكثير، إذ منذ بداية سنوات العشرينات أسس «ايفان ارتيميف» النادي الرياضي الموسكوفي في «بريستايا» وعهد لنيكولا ستاروستين بالإشراف على فريق الكرة بالنادي الذي تطوّر سريعا بعد بنائه ملعبا وتبنّي بيع بطاقات الدخول للجمهور مما سمح له بجمع المال للمساهمة في المباريات على صعيد روسيا كلها.
وفي عام 1926 جرت عملية إعادة هيكلة رياضة كرة القدم في الاتحاد السوفييتي، ونجح «ستاروستين» بجعل نقابات العمال الزراعيين بتولّي الإشراف على ناديه ليصبح اسمه «بيشيفيكي» وأصبح مزوّدا بملعب جديد يتسع ل13000 متفرج، في موقع قريب من ملعب دينامو موسكو الذي كان يتسع ل35000 متفرج.
وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أن نادي «دينامو» المنافس الأكبر الذي تأسس عام 1923 كان يحظى دائما بدعم البوليس السري السوفييتي، الذي كان أصلا وراء تأسيسه. وقد لقي من الدعم الحكومي المتزايد أكثر مما لاقاه أي ناد رياضي سوفييتي آخر.
وهنا يفتح المؤلف قوسين أيضا كي يشير إلى أن «سبارتاك موسكو عرف كيف يتأقلم جيدا مع الحقبة ما بعد السوفييتية، ما بعد الاشتراكية، أي مع النهج «اللبرالي» الذي تبنّته روسيا منذ حكم بوريس يلتسين.
هكذا حصل على بطولة نوادي الدرجة الأولى الفدرالية الروسية تسع مرات وعلى بطولة روسيا ثلاث مرات، وعلى كأس مجموعة الدول المستقلة التي تضم روسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ست مرات.
إن مؤلف هذا الكتاب يقدم إذن قصة مسيرة سبارتاك، ولكنه يقدّم إلى درجة كبيرة سيرة حياة نيكولا ستاروستين الذي امتزجت سيرته مع سيرة ناديه. وعبر هاتين «السيرتين» يجد القارئ الكثير عن المشاكل التي عاشها المجتمع السوفييتي آنذاك وليس أقلها «الحد من حرية التعبير».
ويوضح الأشكال المتعددة التي «تقاطعت فيها كرة القدم مع السياسة» وكيف أن التطورات التي عرفها سبارتاك كانت مرآة لمجتمع في حالة تطوّر مستمر. وبهذا المعنى تبدو، فيما وراء تاريخ نادي رياضي، ملامح التاريخ الاجتماعي والثقافي الروسي.
ومن الخصوصيات التي يؤكد عليها المؤلف بالنسبة لنادي سبارتاك موسكو قوله إن «إخلاص» مشجعيه له لم يتغيّر ولم يهمد مهما كانت النتائج «الرياضية» التي يحصل عليها. وهذا يشكل برأيه حالة «فريدة» في عالم الرياضة.
ويرى أن هؤلاء المشجعين أرادوا أن يدفعوا الجميع للاعتقاد أن ناديهم قد «تحدّى وحده» آلة الدولة كلها. ويصبّ في نفس المنطق التأكيد على الفارق الكبير بين سبارتاك «نادي الشعب» ودينامو، نادي الشرطة السرية. هذه هي على الأقل الصورة «التاريخية» التي التصقت بالناديين.
الكتاب: سبارتاك موسكو قصة فريق الشعب في بلد العمّال
تأليف: روبرت ادلمان
الناشر: جامعة كورنيل 2010
الصفحات: 346 صفحة
القطع: المتوسط
Spartak Moscow
Robert Edelman
Cornell University Press 2010
346p.

