قدّم الاقتصادي والباحث الاستراتيجي الأميركي، ادوراد ن. ليتواك ما يقارب العشرين كتابا حول الحرب والاستراتيجيات والجيوش، وأثارت آراؤه الكثير من النقاشات والجدل. وهو يبحث في كتابه الأخير «الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية»، كما جاء في عنوانه.
يشير المؤلف في مطلع تحليلاته لما يسميه ب«الاستراتيجية البيزنطية» إلى كتاب كان قد صدر عام 1984 للمؤرخ الألماني «الكسندر دوماندت» عن «الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الرومانية».
وعرض فيه مختلف الآراء التي صدرت حول أسباب انحطاط تلك الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي ثم انهيارها في أوروبا الغربية لتستمر بعد ذلك في أجزائها الشرقية تحت اسم «الإمبراطورية البيزنطية».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاث أقسام رئيسية. القسم الأول منها مكرّس لاستعراض المبادئ الأساسية للاستراتيجية البيزنطية مع محاولة تقديم الحجج التاريخية الداعمة لتلك الاستراتيجية.
وأهم تلك المبادئ «تجنّب مخاطر الصدامات العسكرية الحاسمة والبحث بالأحرى عن المحافظة على جنودهم الذين سيكونون بحاجة لهم من أجل صدّ الأعداء المقبلين».
القسم الثاني من الكتاب يخص الأدوات والسياق الذي تحرّكت فيه الدبلوماسية البيزنطية. هذا في وقت لم يكن فيه «دبلوماسيون محترفون ولا وزراء خارجية» بالمعنى الدقيق للكلمة.
كذلك لم يكن هناك، حتى فترة متأخرة، ما يسمّى اليوم ب«الحصانة الدبلوماسية». لكن ذلك كله لم يمنع البيزنطيين، كما يشرح المؤلف، من ممارسة نشاطات دبلوماسية حقيقية. وهذا ما يتم التعرّض له على مدى فصول ثلاثة من الكتاب.
أما القسم الثالث والأخير، الذي يضم خمسة فصول من الكتاب، فإنه مكرّس لدراسة الاستراتيجية العسكرية التي اتبعها البيزنطيون، ودراسة المعاهدات العسكرية التي عقدوها وعرض مفاهيمهم الدفاعية وكذلك ما عرفوه من انتصارات وما تعرّضوا له من هزائم وما كانوا قد أعدّوه من خطط عسكرية برية وبحرية.
بعد تقديم نظرة تاريخية سريعة للأحداث التي رافقت تلك الأحداث، يحاول «ادوار ن. ليتواك» شرح الأسباب التي يرى أنها كانت وراء استمرار القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية.
ولا يتردد في اعتبار أن أهم تلك الأسباب تمثلت في «استمرار فرض سياسة ضرائبية مالية» سمحت بتطوير «استراتيجية جديدة»، الأمر الذي لم يكن فاعلا في القسم الغربي من الإمبراطورية.
ويحدد المؤلف القول إن تلك الاستراتيجية الجديدة غدت ضرورية عندما اجتاحت جيوش «اتيلا» القارة الأوروبية التي لم تكن قادرة على صدّها، ولم تكن السبل التقليدية التي تمتلكها كافية من أجل ذلك.
ويشير المؤلف أن السلطات البيزنطية أقامت آنذاك الكثير من الصلات الدبلوماسية وأنفقت الكثير من الذهب وأنشأت شبكة من الحلفاء، ومن خلال ذلك كله أسست جيشا من «الخيّالة» سمح لأباطرتها بعدم دفع الأموال لممثلي «اتيلا».
يتم التركيز في هذا السياق على القول إن الجيوش البيزنطية كانت تحرص عامة على عدم القتال من أجل الاستيلاء على بلدان جديدة أو من أجل إلحاق هزيمة كاملة بعدو ذلك قاعدة إذ إن «عدو اليوم قد يكون حليف الغد».
بكل الحالات كان الأمر المهم بالنسبة للبيزنطيين هو الوصول إلى الطريقة التي يمكن من خلالها «استغلال الأعداء والحلفاء» على حد سواء.ويشرح المؤلف بإسهاب كيف أن اللجوء إلى القوة كان أمرا لا بد منه في بعض الأحيان، لكن كانت هناك طرق أخرى على الأغلب.
وعلى رأس تلك الطرق يحدد ليتواك «الاستخبارات الجيدة» التي كانت ذات فاعلية حاسمة عامة. وهذا ما كانت قد حرصت عليه السلطات البيزنطية عبر إرسال دبلوماسييها إلى مناطق وبلدان بعيدة بحثا عن «تحالفات» وبغية «الحصول على معلومات». بكل الحالات كان الهدف هو كسب الآخرين إلى جانب «القضية البيزنطية» والعودة بمعلومات محددة.
إن المؤلف يعرض عددا هاما من النصوص التي تبيّن الآليات التي كان البيزنطيون يستفيدون على أساسها عسكريا من المعلومات التي كانوا يحصلون عليها. بل ويبيّن كيف أن الكثير من هذه الآليات لا يزال يجد صداه في طرق عمل السلطات الغربية اليوم.
وهذا «الإسقاط» على الحاضر هو ما يحظى باهتمام المؤلف، ولو كان قد وقع في فخ «التحيّز» أحيانا. تجدر الإشارة أن ليتواك يكرّس عمليا قسما هاما من كتابه لشرح «النظرية الاستراتيجية» التي تبنّاها البيزنطيون ووجدت صداها في تاريخهم العسكري والدبلوماسي.
وإذا كان موضوع هذا الكتاب هو استراتيجية الإمبراطورية البيزنطية فإن هذا لا يمنع واقع أنه موجّه بالدرجة الأولى إلى الاستراتيجية الراهنة للولايات المتحدة الأميركية التي تتم الإشارة إلى ضرورة أن «تقرأ» جيدا دروسها إذا أرادت أن تبقى قوة كبيرة.
أهم هذه الدروس باختصار هي تجنّب الحرب بكل الوسائل الممكنة، لكن التصرف دائما وكأن الحرب يمكن أن تقع كل لحظة، وجمع المعلومات عن العدو وعن عقليته، وبذل الجهود لوضع نهاية للحروب، وحيث إن الدبلوماسية ضرورية أثناءها أكثر منها في زمن السلام.
وكتاب يقرأ فيه مؤلفه التاريخ،حسب رؤيته، كي يوظفه في خدمة الحاضر.
الكتاب: الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية
تأليف: إدوارد ن. ليتواك
الناشر: بلكناب برس نيويورك 2009
الصفحات: 512 صفحة
القطع: المتوسط
The grand strategy of the Byzantine Empire
The Pankle Press New York 2009
512p.
