«هينرييتا ليكس» هو اسم سيدة أميركية من أصل إفريقي «سوداء»، وُلدت عام 1920 وتوفيت عام 1951 إثر إصابتها بمرض السرطان. ترددت أوّلا على مركز «جون هوبكنز» للتداوي .
حيث قام الطبيب المعالج بأخذ «خزعة» من نسيج جسدها المصاب بالسرطان ـ دون علمها ـ وقام بتسليمها إلى «جورج جاي»، الباحث العلمي الذي حاول أن يحصل على إمكانية استمرار تكاثر الخلايا، للوصول إلى «زمرة» من الخلايا البشرية التي تساعد في البحث عن مكافحة مرض السرطان. إن الصحفيّة الأميركية «روبيكا سكلوت» تكرّس كتابا لهذه المرأة، التي توفيت وهي في الحادية والثلاثين من عمرها، تحت عنوان: «الحياة الخالدة لهينرييتا ليكس». أما «خلودها» فيأتي من كون أن الباحثين العلميين في مجال مرض السرطان يعملون حتى اليوم انطلاقا من الخلايا التي مصدرها «جسد» هينرييتا.
هذه الخلايا معروفة جدا لدى العاملين في الحقل العلمي تحت اسم «هي لي»،«هيلي». وهذه التسمية تأتي من الأحرف الأولى لاسم المريضة وأسم عائلتها، والتي كانت مدوّنة على أنبوب الاختبار الذي حمل «الخزعة» المأخوذة» من سرطانها.
ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في التأكيد أن الدراسات التي أجريت انطلاقا من الخلايا «السرطانية» لهينرييتا أدت إلى أكثر الخطوات تجديدا وحسما التي عرفتها العلوم الحديثة، وخاصة في مجال تاريخ الطب.
ذلك أنه انطلاقا من تلك الخلايا بدأت الأبحاث في مختبر ثم في مئات المختبرات ثم في آلاف المختبرات ووصولا إلى المصانع العملاقة لصنع اللقاحات، بل وإلى المركبات الفضائية لمعرفة تأثيرات فقدان الجاذبية الأرضية وطبقات الجو العليا على الخلايا المعنية.
وأمكن بفضل هذه الخلايا «هي لي» فهم أن الخلايا الإنسانية الطبيعية تحتوي على 46 كروموزوم. واليوم وبعد حوالي 60 سنة، جرى انطلاقا من «الخزعة» المأخوذة من جسد هنرييتا إنتاج حوالي 60 مليون طن متري من خلايا «هيلي».
وهناك ما يقارب ال60000 دراسة حولها. ولا تزال خلايا «هيلي» مستخدمة حتى اليوم إذ لا تزال إمكانية إعادة إنتاجها قائمة، مما يمثل ظاهرة نادرة بالنسبة للخلايا عامة.
وما تؤكده المؤلفة أيضا هو أن الدراسات المنطلقة من البحث على الخلايا السرطانية التي قتلت هينرييتا ليكس، لم تصبح بمثابة دعامة أساسية في العلوم الطبية وعلوم المورثات فحسب، لكنها كانت بداية الطريق نحو قيام صناعة عملاقة يتم التعامل فيها بعشرات المليارات سنويا وحيث تقوم منافسة كبيرة على السوق المتعلقة بها بين الشركات الدولية الكبرى المختصة.
قيل الكثير عن الخلايا السرطانية المأخوذة من جسد هنرييتا. ولكن لا يُعرف الكثير عن السيرة الحقيقية لهذه المرأة المولودة عام 1951، والتي كانت تعمل في مزارع التبغ، بجنوب الولايات المتحدة.
وإذا كانت «روبيكا سكلوت» تكرّس قسما هاما من كتابها للبحث في المسار العلمي الذي جرى تحقيقه على صعيدي العلوم الطبيّة فإنّ القسم الأكبر منه مكرّس لسيرة حياة تلك المرأة السوداء «هنرييتا ليكس» كإنسانة.
وتؤكّد المؤلّفة أنها أمضت عشر سنوات كاملة في البحث الميداني والتنقيب في مختلف الأراشيف لمعرفة أدق التفاصيل عن سيرة حياة «بطلتها».
كانت هنرييتا ابنة أسرة أميركية فقيرة متعددة الأطفال. أنجبت هي نفسها، خمسة أطفال خلال حياتها القصيرة التي امتدت 31 سنة فقط. لقد عاشت حياتها في أحضان الفقر وكذلك عاش أبناؤها وأبناؤهم من بعدهم. بل و«في أغلب الأحيان دون أن يستفيدوا من أي تأمين» صحي ضد المرض، كما تؤكد المؤلفة.
وتصف المؤلفة بالتفصيل زيارتها لإحدى مقابر عائلة هنرييتا حيث يتواجد العديد من أبنائها السود الذين عملوا كعبيد لدى أصحاب مزارع التبغ من البيض. وكذلك زيارتها إلى الأحياء الفقيرة في «بالتيمور» حيث تعيش الأسرة منذ أجيال، وزيارتها إلى المركز الطبي «جون هوبكنز» للرعاية الصحية المجانية حيث ذهبت هينرييتا للتدواي أولا بعد أن أحسّت بالألم بسبب «عقدة موجودة في بطنها».
كان ذلك المستشفى هو الوحيد الذي يستطيع السود أن يتناولوا العلاج فيه. وهناك كان التشخيص الواضح: «سرطان في عنق الرحم». وهناك أيضا أخذ الطبيب المعالج «خزعة» من جسد المريضة. كان ذلك دون طلب أي إذن وحتى دون إعلام المريضة بذلك، كما تؤكد المؤلفة مرات عديدة في كتابها شارحة بالوقت نفسه ما كان يعاني منه السود من تمييز عنصري آنذاك.
الكتاب: الحياة الخالدة لهنرييتا ليكس
تأليف: روبيكا سكلوت
الناشر: بان بوك نيويورك 2010
الصفحات: 379 صفحة
القطع: المتوسط
The immortal life of Henrietta Lacks
Rebecca Skloot
Pan Books - New York 2010
379 p.

