توضح مؤلفة الكتاب، فاطمة المحسن، في مستهل نقاشها لموضوعة بحثها، انه أطلق تعبير رواد النهضة والإصلاح في العراق على الكثير من رجال الدين البارزين في القرنين التاسع عشر والعشرين، واغلب هؤلاء ينحدرون من عوائل برزت في مراكز التدين، الشيعية منها والسنية.

وبحكم انتسابهم إلى أجداد وآباء أجلاء بين العامة، فقد كانوا يتمتعون بامتيازات التعليم الديني الخاص ومستوى من المعيشة يجنبهم العوز، ويمدهم بالقدرة على السفر والاتصال بالعالم الخارجي، بيد أنهم قبل هذا يتمتعون برصيد ثقافي رمزي يخولهم تبوؤ سلطة الظل على العامة، فهم يسيرون المجتمع بتعاليمهم وتوجيهاتهم، وتقرير أنواع السلوكيات والقيم الاجتماعية، فكانت لهم كلمة مسموعة في تكوين نظرة العراقيين إلى العالم، حسب قول الباحث حنا بطاطو. وتذكر المؤلفة أن حركة التجديد في الشعر والفكر والتأمل، سجلت مطلع القرن العشرين باسم الشاعرين جميل صدقي الزهاوي (1863-1936)، ومعروف الرصافي ( 1875- 1945 )، فكلا المؤرخين يجمعان على كونهما رائدي عصر النهضة، ولا نكاد نفتح كتابا في هذا الباب إلا ويكون اسماهما في مقدمة كل الأسماء.

وتؤكد المحسن، أن تلك الفترة المهمة في عمر العراق الثقافي، بقيت كتاباً مفتوحاً يحمل إمكانات مختلفة لمطالعته، وأنها مشروع ظل في حالة تشكل، فالمدونات التي خلفتها تلك الفترة، تكونت من خبرات وتصورات ومقولات أفراد واجتهاداتهم، والنظر فيها لا يعني حكما قيمة، بقدر ما هو وجهات نظر تحاول أن تأتي بجيد.

وحاولت المؤلفة، كما تشير ضمن هذا المسعى، الاقتراب من بنية هذا التشكل في مقولة النهضة، لا صيغتها النهائية، فهي مشروع يحمل من التنوع ما يؤهله لجمع صيغ الأزمنة التي تقاطعت عند تخومه: ماضيه وحاضره ومستقبله.

وتقول عن الثقافة في ما سمي «العراق الناهض»: «إن الثقافة لا تعني الأدب والفكر فقط، بل هي التكوين المديني والقيم الجديدة والعمران، وقد تناول درسنا هذا الأمر بشقيه:

مفهوم التطور والارتقاء المبدئي، وصراع القيم القديمة للمكوث في الثقافة الحديثة، كان من أبرز ملامح الصراعات في نظام القيم، تلك المعركة التي خاضها المثقفون من أجل حرية المرأة، ولم تطل هذه المعركة العمق الثقافي العراقي الذي أبقى القول الأدبي والفكري حكرا على الرجال، وأقصى المرأة عن الحيز الثقافي، حيث لم يشهد عصر النهضة إسهامه للنساء في أي ميدان أدبي أو فكري، فكان لنا محاولة في البحث عن الأسباب التي حالت دون تحول أفكار النهضة إلى فعل ثقافي معيش».

وتناقش المحسن، في الفصول الأخرى بكتابها، مفاهيم النهضة والثقافة العراقية والمثقف العراقي والإصلاح الإسلامي وحركة الأفكار، وأيضاً النهضة وأقنعة الأدب (زمن الشعر وثقافة القص)، والأدب الشعبي والتكوين الثقافي (التمدين وصراع القيم والثقافة المحجبة).

وأما الفصل الأخير، فيكاد يكون قسما مستقلا في الكتاب، حيث تناول رواد عصر النهضة العراقية، في متابعة لسيرتها، من خلال نتاجهم وأفكارهم ومصائرهم الشخصية، فبدأ بمحمود شكري الألوسي وهبة الدين الشهرستاني، مروراً بانستاس ماري الكرملي والرصافي وجميل صدقي الزهاوي ورفائيل بطي، وانتهاء بمحمود أحمد السيد.

الكتاب: تمثلات النهضة في ثقافة العراق الحديث

تأليف: فاطمة المحسن

الناشر: منشورات ـ الجمل بغداد 2010

الصفحات: 453 صفحة

القطع: المتوسط

حواس محمود