يتركز بحث ونقاش المؤلف في كتابه، على المحور الرئيسي فيه، والمتمثل بصدام حسين الذي اختزل العراق بحزب حاكم واختزل الحزب بشخصه.
وتأتي أهمية الكتاب مما يشير إليه المؤلف من حقيقة أنه لا العراق بلد عادي عابر في تاريخ المنطقة، ولا صدام حاكم عادي في تاريخ العراق الحديث، ومن هنا كان مشهد الدبابة الأميركية وهي تسقط تمثال صدام، مخيفا وذي دلالات بالغة العمق. ويكشف الكتاب من خلال الشهادات الكثيرة من الجوانب التي لا شك أنها تكشف أبعاد الوضع المأساوي الذي وصل إليه العراق، بفعل سياسات صدام.ومما يرويه الخزرجي للمؤلف خلال لقائه به في قرية سوغو الدانمركية أن صدام تولى شخصيا التخطيط لغزو الكويت في حضور صهره حسين كامل. وقريبه علي حسن المجيد الملقب بالكيماوي، وكشف أن تقريرا من المجيد كان وراء قرار صدام توجيه ضربة خاصة أدت إلى إغراق حلبجة في مجزرة تقشعر لها الأبدان. وأكد أن صدام كان معجبا بتجربة الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، وأنه ربما كان يعتقد نفسه القائد الأبرز بعد صلاح الدين.
وتمثل الرواية التي يقدمها المؤلف هذا النمط من الحكم، وللقارئ أن يصدق أو لا يصدق- فحسب شربل- رن جرس الهاتف باكرا في منزل الفريق أول الركن نزار الخزرجي رئيس أركان الجيش العراقي، في الثاني من أغسطس عام 1990، وسارع الرجل إلى مقر القيادة العامة، فاستقبله سكرتيرها العام الفريق علاء الجانبي بجملة قصيرة قاتلة هي : «أكملنا إحتلال الكويت».
وهو نفس ما جرى مع وزير الدفاع عبد الجبار شنشل. وحسب الكتاب، فقد شم الخزرجي رائحة الكارثة وشعر بالإهانة من ذلك الذي لا يمكن أن يحدث سوى في العراق وحده:
أن يجتاح الجيش بلدا مجاورا من دون معرفة رئيس الأركان ووزير الدفاع . ولم يكن الاعتراض واردا، ففي جمهورية صدام لا تجرؤ سبابة على الارتفاع. وما قد يصيب المرء بحالة من الذهول ما يذكره شربل من أن صدام ذكر للرجلين بعد أيام أنه أراد الاحتفاظ بعامل المفاجأة . وحرر الكويت بالوحدات التابعة له مباشرة.
وفي روايته يذكر صلاح عمر العلي لقاء عقده صدام مع وزير خارجية إيران عمر يزدي، في سبتمبر 1979 في قمة لعدم الانحياز في هافانا. كان اللقاء إيجابيا وبناء في الظاهر.
ولكن صدام راح يؤكد لصلاح العلي الذي كان يحثه على تحسين العلاقات مع إيران أنه لا يريده أن يكرر على لسانه أي كلام عن حل سلمي وإنساني مع إيران، وأنه سيكسر رؤوس الإيرانيين ويعيد كل شبر من المحمرة إلى شط العرب.
وأما حازم جواد والذي قاد الحزب إلى السلطة في أبريل 1963، وأذاع البيان رقم واحد، وأرسل من يأتي بضابط شهير اسمه عبد السلام عارف لن يتأخر في إزاحة البعث لينفرد بالسلطة.
فمن ما يرويه عن صدام موقفه بالغ الغدر بفؤاد الركابي، أول أمين سر للقيادة القطرية في البعث العراقي والذي شاركه صدام في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1959، وإثر فشل المحاولة كان الفرار إلى دمشق حيث قلق الركابي على مصير صدام لتأخره واقترح تكريمه في حفل متواضع وتم قبوله عضوا أصيلا في الحزب، حيث أدى اليمين أمام الركابي. فماذا فعل صدام؟
في بداية السبعينيات كان الركابي يستعد لمغادرة السجن بعد أن ذاق العذاب، وما لا يطيق سجين احتماله، وفجأة أدخلت أجهزة صدام إلى السجن من زعمت أنه مجرم عادي في مهمة محددة هي استفزاز الركابي وافتعال شجار معه، حيث أخرج سكينا وذبحه من الوريد إلى الوريد ولم يكن أمام حازم جواد غير تسلم جثة قريبه لمواراتها الثرى.
وينقلنا شربل إلى أحمد الجلبي والذي تمكن المؤلف من إقناعه للحديث للمرة الأولى، عن الرحلة الطويلة التي مكنت جورج بوش من ارتكاب مغامرة ستدمي العراق والمنطقة، وتفتح الباب أمام إيران للمطالبة بزعامة الإقليم. ولقد كانت الإطاحة بصدام والبعث حلما قديما لدى الجلبي والذي كانت عائلته، على ما يذكر المؤلف، جزءا من المشهد السياسي في العراق قبل ثورة 1958.
وآمال الجلبي انتعشت بعد غزو الكويت، حيث عمل على إثارة واشنطن على بغداد بعد أن توصل إلى قناعة أن مستقبل العراق يتقرر في أميركا بعد فشل المعارضة الشيعية والكردية في إطاحته.
وقد نجح الجلبي في التسلل إلى مراكز الأبحاث وأروقة الكونجرس، إلى أن استصدر قانون تحرير العراق والذي حمل بصماته، ثم كانت ذريعة 11 سبتمبر حيث بدأ بعدها الهمس في غرفة أميركية ضيقة عن خطر صدام حسين. وجرى تهيئة الساحة للحديث عن خطر أسلحة الدمار الشامل وانتهاك القوانين الدولية والعلاقة بالإرهاب.. إلى أن انتهى المشهد بإسقاط تمثال صدام!
الكتاب : صدام مر من هنا
تأليف : غسان شربل
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2010
الصفحات : 395 صفحة
القطع : المتوسط
مصطفى عبد الرازق

