جمعت إحدى أماسي بيت الشعر بالشارقة، في شهر سبتمبر الماضي، الشاعر الفلسطيني يوسف أبولوز والقاص المصري عبدالفتاح صبري، حيث كانا يتغنيان بمنجزات قصيدة النثر المحلية، مع ذكر منجزاتها العربية والخليجية.
لكن مدير بيت الشعر الدكتور بهجت الحديثي، الذي استضاف الأمسية، فجر حديثاً خطراً تداعت له أصوات كثيرة، منها ما كتبه الإعلاميون الذين شهدوا الجلسة، ومنها ما كان في الحوارات الجانبية والأروقة.أشار الحديثي في الأمسية، إلى أن قصيدة النثر إلى موات، حالها حال العديد من الأجناس الأدبية التي ظهرت في تاريخ الأدب العربي ثم اختفت، واتهم شعراءها بالهزالة وعدم الإلمام بفنيات علم العروض الخليلي، ووصم مستقبلها بالزائل، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان تلك الحملات التي شنها حراس القلعة التقليدية في الشعر إبان انتشار موجة التحديث في الشعر في الستينيات والسبعينيات.
وأيضا هنا في الإمارات في بداية الثمانينيات، حين واجه التقليديون أقرانهم المبشرين بقصيدة النثر بأصول الشعرية التي ردوها إلى العروض والبلاغة، وأغراض الشعر وفنياته التي تعارفوا عليها منذ القدم. وفي مقابل هذه الشرارات وهذه الحروب التي تقام أمام منصة قصيدة النثر التي رسخت وعبر أكثر من خمسين عاما، جذورها في المشهد الثقافي العربي، وبرز فيها نجوم ولامعون واصلت لبناتها وأساساتها في جهة الشعر العربي، تبدو ساحة قصيدة النثر، وهنا في الإمارات اليوم، وكأنها تشهد خفوتا في صوتها، فالاماسي الشعرية لم تعد حية ومتفاعلة مثل ما كانت عليه الانطلاقات الأولى، وتداول أمر قصيدة النثر وحديثها النقدي يكاد يغيب لولا بعض الاضاءات والاجتهادات الشخصية.
وأمام هذا لا يوجد مهرجان، أو ملتقى دائم وسنوي حول قصيدة النثر. كما تقاعست المنابر الإعلامية عن الاحتفاء بها وبشعرائها، والتعاطي مع أدبها النقدي . خفت الصوت أيضا مع تواري عدد كبير من رموزها بعيدا عن المشهد الثقافي..الأمر الذي يدعو إلى التأمل، والى الإحساس بأن الساحة أصبحت مكشوفة، وبلا حراس، وبلا حياة، ومن هنا تكون لدى الطرف الآخر مبررات القول بموات الحالة الشعرية النثرية، أو التطاول على منجز لا يمكن نكرانه. فهل هو الحال كذلك؟ أم أن هبوط الشاعر عن حصانه وترجل القصيدة النثرية عن منبرها، فتح الشهية للتهجم والهجوم؟ وهل هذا الترجل حقيقة، أم وهماً، وهل النثر حي وباق، وهل يعيش شعراء الحداثة عزلة يمارسون فيها شعريتهم بعيدا عن كشافات الضوء؟
إنها أسئلة تبقى حائرة أمام حالة غريبة، مرت بها الساحة الشعرية في الإمارات، حيث يوجد في قوائم البيبلوغرافيا عشرات من الشعراء والشاعرات، ومئات من الدواوين والمجموعات الشعرية وآلاف من قصائد النثر، هي محصلة حراك أدبي لا يمكن نسفه وتدميره، أو شطبه من التاريخ بكلمة واحدة.
بيان الحديثي واعتذاره وتكفيره للإعلاميين
مدير بيت الشعر في الشارقة الدكتور بهجت الحديثي، وبعد أن فجر مقولته في تلك الأمسية التي كانت تحتفي بمنجزات قصيدة النثر الإماراتية، بإعلان موتها، عاد بعدها ليقرأ في أمسية شعرية تالية ، بيانا يقول فيه:
«لا اعتب على من يهاجمني بالحق، وأنا مستعد ان اعتذر إذا كنت على خطأ، أما من يتهمني بالباطل فمن حقي، على الأقل، أن أرد عليه بصفتي أستاذاً وأديباً وشاعراً ومثقفاً، يمتلك حرية التعبير بعيداً عن بيت الشعر والمسمى الوظيفي، كما هو حال الآخرين من الموظفين، علما أن آلية بيت الشعر مرسومة له من أعلى الجهات الرسمية، وليس باستطاعة (بهجت) أن يخرج عليها، وبيت الشعر كما هو الحال، يحتضن كل الأجناس الشعرية القديمة والحديثة على حد سواء».
ثم يعود الحديثي في بيانه ليقول: «ولا ضير في المعارك الأدبية، فقد تكون نافعة إن لم تكن تجريحاً وظلماً وكلاماً فارغاً غير مستند على دليل ولا حتى منطق».. ويضيف مناقضاً اعتذاره في بداية البيان: «ولست ادري لماذا هذه الغيرة على قصيدة النثر، ألأنها بنت العلمانية، أم لأنها مستوردة من الغرب، أم لأنهم يريدون أن يسموا أنفسهم شعراء وما هم بشعراء؟».
ومرة أخرى يعود الحديثي في فقرة تالية: «أنشطة بيت الشعر وأمسياته وندواته ومحاضراته والمشاركون في ملتقياته من داخل الدولة وخارجها، تشهد على أن بيت الشعر هو الحاضنة لكل الأجناس الشعرية القديمة والحديثة.
وقد استضاف هذا اليوم وطيلة الأيام السابقة، كوكبة من خيرة شعراء قصيدة النثر».ولا يفهم من بيان الحديثي، إلا تناقضات في الآراء، في ما يبدو من فقرات، مرة تحتفي وترحب بقصيدة النثر، ومرة تصم صناعها بالجهل، حيث يعود الحديثي ليصعد لهجة بيانه في تناقض آخر:
«أما السرطان الخبيث والذي يكيل التهم بالباطل، ويتصيد بالماء العكر ويتباكى على قصيدة النثر، وهو عاجز عن أن ينظم بيت شعر واحد، ويريد أن يُسمى شاعرا وما هو بشاعر، ولا حتى شويعر، فنقول له..الشاعر عندنا هو الذي يكتب العمودي والتفعيلة، وقصيدة النثر الجميلة حقا، ولنا الحرية المطلقة أن ننقد نقدا علميا موضوعيا، ومن غير تجريح ولا تهجم على احد».
وفي هجومه على الإعلاميين الذين يتابعون أنشطة وفعاليات بيت الشعر، كتب الحديثي في بيانه: « إن بعض أولئك الفاشلين، المنسلخين من دينهم وعروبتهم وتراثهم ولغتهم، والمستغلين لسلطتهم الإعلامية والصحفية، لا يعرفون غير التهجم والتجريح ويظنون أنهم يستطيعون النيل من القمة الشماء ومن بيت الشعر الشارقي.. ونحن نقول لذلك النفر الضال المضل المسموم المنسلخ من تراثه ودينه المستغل لسلطته الإعلامية».
حقيقة، ربما نقرأ مثل هذه السجالات، وهذه اللغة الهجومية في أرشيف حياة قصيدة النثر قبل خمسين عاما، وكان وقتها الأمر مشروعا باعتبار أن حركة التحديث كان من الطبيعي جدا أن تواجه حراس قلاع الثابت والمتأصل، وحدث هذا الأمر في جميع جهات الشعر عربيا، وحتى هنا في الإمارات، لكننا نحن نعيش عصر اليوم، عصر ازدهار وانفتاح كبيرين، وعصر تجاوزت فيه قصيدة النثر إرهاصاتها الأولى في محيطها البيئي والفكري. فكيف ينقلب التاريخ على نفسه، وكيف تتراجع مقولات إلى الوراء؟
الآن تتوفر منابر كثيرة، لكنها خالية، ويكتب شعراء الثمانينيات وشعراء الجيل الحالي، القصيدة النثرية، وتصدر المجموعات في كل الأحوال، لكن يخفت صوت النثر في الساحات، ويخفت الحديث عنه، وتوارت أسماء وانزوت بعيدا. غابت الأمسيات الشعرية التي اشتهرت في بداية التسعينيات، وتواضعت الصفحات والملاحق الثقافية في الصحافة المقروءة في التعامل مع نشر قصيدة النثر.
لماذا يغيب هذا الصوت؟ لماذا يخفت؟ لماذا لم تؤسس المؤسسات الثقافية المنفتحة على التيارات الأدبية والفنية الحديثة، مهرجانا لقصيدة النثر وشعرائها؟ أسئلة حائرة في ظل واقع يقول إن قصيدة النثر في الإمارات تنام على عقود من الزمن من الانجاز، وتنام على وسادة مريحة في منجزها الفني والفكري.
وعلى أسماء شعراء ضربت بمداميكها في تاريخ الشعرية الحديثة، بل تجاوزته إلى النص المختلف الذي يحاول العبور إلى ما فوق قصيدة النثر؟ لماذا يخفت الصوت بعد تألق والق كبيرين في بداية التسعينيات؟
نقيم الأسئلة من جديد، في الوقت الذي تشعرنا فيه هذه الرغبة، وكأنها تراجع إلى المربع الأول! مربع الغياب والوقوف أمام حواجز التقليديين.
سيطرة الثقافة المحافظة
الباحث والناقد الدكتور صالح هويدي أجاب بالإيجاب على مشروعية هذه الأسئلة، وأشار إلى أن قصيدة النثر تعاني من الإهمال في الجانب الرسمي والمؤسساتي، مشيرا إلى أن مهرجان دبي الدولي للشعر الذي أقيم قبل عامين، كانت له بادرة في إدارة الحوار حول شؤون قصيدة النثر عبر ندوة يتيمة.
وقال هويدي: «هذه الملاحظة لا تصدق فقط على واقع الحال في الإمارات، بل وعدد من الدول العربية، لكن في المقابل سنجد أن قصيدة النثر اليوم وعلى مستوى الحراك والكتابة الشعرية، أصبحت الغالبة، فهذا اللون من الشعر فرض نفسه، بل إن مواقع القصيدة التقليدية قد تقهقرت أمام شيوع قصيدة النثر.
لكن يبدو أن الموقف الرسمي الثقافي في العديد من الدول لا يزال يقف عائقا أمام قصيدة النثر، وهذا يعود في رأيي إلى جملة ظروف، يقف على رأسها الاتجاه المحافظ، أو الثقافة التقليدية التي تفرض نفسها على الموقف الرسمي.
وبخصوص الحضور فيمكن القول إن ثقافة الحداثة بشكل عام وقصيدة النثر بشكل خاص، يستحال أن يفرض معهما آليات مناسبة لتفعيل هذا الحضور، فمن المهم أن يكون هناك مهرجان أو ملتقى لقصيدة النثر، وان تتواجد في ساحة الرأي العام».
ويضيف د.هويدي: «هؤلاء الذين يهاجمون قصيدة النثر اليوم ويهاجمون شعراءها يجب أن لا تتاح لهم الفرصة لشن هذه الحملات، بل يجب أن يفتح المجال أمام الشعراء الحداثيين للدفاع عن منجزهم الشعري. هناك مشكلة قائمة وهي أن أصحاب الايدلوجيات يتصدرون مواقع الصدارة أمام انسحاب أصحاب الرؤى الحداثية التي كانت في يوم ما فاعلة ومشاركة في المشهد الثقافي.
هناك وللأسف ردة أو ما يشبه البروز بالنسبة للمحافظين، ويلاحظ هذا في اغلب الدول العربية المجاورة للإمارات، واعتقد أن العزوف الذي تشهده الساحة هنا من قبل الذين قادوا حركة التحديث يوما، سواء في الشعر أو السرد ربما يعود إلى تبعثر الحال: إحباط، أوضاع اقتصادية، انشغالات ودخول في معترك الحياة. لكن من المهم أن يعاد تصحيح هذا الركود.
الاستراتيجية الثقافية غير واضحة
الشاعر عبد العزيز جاسم، لا يرى في حال وواقع قصيدة النثر أي خفوت، بل يصر ويجزم أن حالها في ازدهار كبير وهناك موجات من الشعراء الجدد يكتبون قصيدة النثر وقصيدة النص المفتوح، خاصة في إطار النشر الالكتروني.
ويقول جاسم: «المشكلة وبكل بساطة ليست في قصيدة النثر التي أسست لأصولها منذ سنوات طويلة، وتجاوزت شرعية الجدل حول وجودها، هذا الأمر تم الانتهاء منه منذ عقود طويلة، بل بالعكس نحن نفتح الحديث اليوم أمام منجزات عظيمة لهذا اللون الشعري، الأمر وبكل بساطه يعود إلى مشكلة أساس تكمن في سيطرة الحس الكلاسيكي على المؤسسات الثقافية، أو المسؤول عن الشعر، من أمثال الحديثي وغيره.
وهنا مثال واضح على تلك السيطرة المحافظة، فأكاديمية الشعر من المفترض أنها مؤسسة ترتقي بالشعر وتعنى به، لكنها عندما تستثني الشعر الحديث من قائمة نشاطاتها فإنها تعمل على طمس قصيدة النثر عنوة! وللأسف فان هذا لا يوحي إلا بعدم إدراك عمق الشعر وقيمته.
إن الذين يأتون اليوم ليناقشوا مشروعية قصيدة النثر، يكشفون عن عدم وعي وإدراك بالحقائق. لكنني في الحقيقة ابحث عن إجابة لسؤال واحد، ألم يجدوا مسؤولاً إماراتياً لبيت الشعر، ألا يوجد شاعر إماراتي يستحق أن يدير بيتاً للشعر؟ ألا يحق لشعراء الإمارات أن يكون لهم بيت؟ لماذا نبقى دائماً في حاجة الاستيراد، أقول للذي يهاجم الشعر الحديث.
إن الشعر في الإمارات قد تجاوز مراحل وله أسماؤه وله تاريخه وله تأثيره على مستوى الوطن العربي، وهذه الحقيقة لا ينكرها إلا الجاهل».
وعن غياب منصة لشعراء النثر، وغياب مهرجان أو ملتقى سنوي يتداول الحديث حول القصيدة النثرية، يعلق الشاعر عبد العزيز جاسم أسبابها إلى الأزمة المزمنة في إدارة المؤسسات الثقافية التي يضيق بها الأفق، والتي لا تزال مقيدة بذائقتها الكلاسيكية، ويقول أيضا:
« أنا لا استثني أيضاً المنبر الإعلامي الذي تخلى عن دوره، لم تعد هناك مساحات تستقبل شعر وشعراء الحداثة وكتاباتهم، فالصحف تمارس تعنتاً في تعاملها مع المواد المنشورة، هناك حذف وقص ورفض، هناك تناقضات عجيبة في الساحة الإعلامية، وأيضا على المناخ الثقافي العام، هناك انفتاح كبير في مناحي كثيرة وهناك صرامة في التعامل مع الحداثة في المكان نفسه!
ألا يثير هذا المزيد من التعجب؟ أين الاستراتيجية الثقافية الواضحة المعالم؟ أين الأسئلة الكبرى في الثقافة، تلك التي يتم تداولها الآن في الساحات الثقافية العالمية؟ السنا في ركب التطور وحوار الآخر والتعويل على الثقافة والمثقف؟ نعم نحنا في الخطاب السياسي الرسمي نطرح هذا الانفتاح الكبير.. وجميل هذا، لكن أين الاستراتجيات التي تستوعب أهداف وطموحات هذا الخطاب؟
قصيدة النثر لا تحتاج إلى منبر
الشاعر احمد العسم يتعامل مع قصيدة النثر على أنها بوح روحي يجب أن يتجرد من جميل أفعال التمظهر، إنها وكما يقول، يكتبها الشاعر ويمضي.
ويضيف: «أنا لا أرى خفوتا في صوت قصيدة النثر، بل على العكس هي متألقة، وهناك اهتمام رسمي بها، بل واحتفاء، فقبل عامين كانت دبي تحتفي بالشعر في مهرجان دولي ضخم.
وكان يجلس في المنصة شعراء قصيدة النثر، والواقع الذي نشعر فيه بغياب الشعراء الحداثيين عن المنابر هو حال طبيعي لأن قصيدة النثر لا تحتاج إلى الصوت العالي والمرتفع، وهي لا تتعالى على الجمهور، ولا تمارس الخطابة، هي قصيدة الناس، والمارة، والبسطاء، إنها صوت الروح، صوت العمق الإنساني وصوت الوجدان».
ويضيف العسم: «ما نحن بحاجة فعلية إليه، هو الدراسات. هناك غياب في دراسة النصوص الشعرية النثرية، ساحتنا تفتقد إلى القراءات النقدية التحليلية التي تحتفي بالشعر».
لا يوجد خفوت بل ازدهار لقصيدة النثر
الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم هو الآخر لا يعترف بوجود حالة خفوف في صوت قصيدة النثر، ويقول: «بالعكس قصيدة النثر في ازدهار وحضور كبير، وهي حاضرة في جميع الملتقيات.
وهناك مجموعات شعرية تتوالى في الصدور، فأين هذا الغياب؟ وحول ضرورة وجود ملتقى أو مهرجان شعري يحتفي بقصيدة النثر، كما تحتفي مهرجانات ومسابقات وبرامج بالأنماط الشعرية المختلفة.
يقول ابراهيم: إذا كان ولابد من إقامة مهرجان للشعر، فأنا أرى أن يكون شاملاً ومفتوحاً على أنماط الشعر واختلافاته، وألاّ لا يتم تحديده أو تحييده لصالح لون على لون شعري آخر».
مرعي الحليان



