تشدنا الأيام وسط الزحام.. فنتوه بين الناس بالأمل ونسير نحمل جرحنا الدامي العميق، ونظل نبحث في وسطه عن العهود الراحلة كالطير، تبحث في الشتاء عن الصغار. « إني افتقدت الحب بعدك والصديق، لا تتركيني في ضباب العمر وحدي كالغريق أمسكت بالمنديل في وسط الزحام، عودي إليّ.. وسمعت صوتك من بعيد يعتذر: لا تنتظر».

لقطة عشق واشتياق تاه فيها الحبيب من حبيبه وسط الزحام، مثلما عبر الشاعر فاروق جويدة بكلماته السابقة في قصيدته «وسط الزحام»، وكأنها جدارية من حروف وكلمات، ومشاعر حب تاه في زحام. نعم، مع الزحام وفيه نتوه حتى من أنفسنا.. نضيع وسط طوفان غاضب من بشر وفي النهاية لا نصل.. فالازدحام عائق كجدار يحجب كل شيء.القاهرة، خرجت من رومانسيتها في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، عندما كانت شوارعها هادئة، رائعة، يحيطها الجمال، جمال المعمار على الطراز الإسلامي والإيطالي؟ وكباري شامخات وكأنها تحرس نيلها المتدفق يحكي ويروي قصة وتاريخ مدينة، ويبارك عشاق شقوا طريقهم إلى ضفافه ومعهم يسير الأمل في «بكرة»، شرفات هادئة لم يتصور يوماً إنها ستكون مكاناً لأطباق فضائية عملاقة أو مكاناً للانتحار، مشربيات وراءها تختبئ فتيات عالمهم ينحصر في طله على شارع الحسين وخان الخليلي وقاهرة المعز.

ماذا حدث؟!

ضجيج، طوفان بشر، وجوه يعلوها الغضب، وأعصاب تحترق تحت شمس قاسية الكل يحاول أن يجد لنفسه مكاناً تحتها، مشاجرات بلا جدوى، أصوات تتداخل وكأنها لحن نشاز يشمئز له الإنسان، سيارات، وحوادث طريق، ميكروباص وتوكتوك مجنون يشق طرقات الحارة وكأنه يفرض منطق العشوائية والخروج من نطاق إنسانية الفرد في مجتمع لا يعرف للهدوء معنى ولا للسكينة مكان.

شوارع تحت الأرض، طوفان من البشر بتسارع ليجد مكاناً «يحشر» نفسه فيه داخل مترو الأنفاق الذي يشق بطن القاهرة ثم يطفو على السطح، كباري علوية وسفلية، ضاعت جماليتها وسط زحام لا يرحم وتلوث صوتي لا يخمد..

«وزحمة يا دنيا زحمة»!

الازدحام، أكثر من قصيدة ناعمة، أو أغنية شعبية تفرض حضورها على الذوق العام، هو كارثة من كوارث عصر حديث مجنون ولاهث وغاضب وناقم.

الازدحام ظاهرة تشكل مخاطر لا حدود لها على الإنسان شعور من الخوف، خوف من كل شيء وأي شيء، خوف من عدم الوصول لعملهم في الوقت المحدد، خوف من حوادث الطرقات، أو انهيار جسور، خوف ممن حولهم من بشر أمثالهم، خوف من ظاهرة الخروج عن المألوف والمعتاد والمنطقي، فإذا ارتطمت الأكتاف بعضها ببعض وهي تشق طريقها بالكاد، اشتعل الغضب وتصعد ليصبح «خناقة»، ولا أحد يهتم بفض النزاع، فالكل طوفان غاضب خائف من شيء ما.

الشعور بالتضاؤل وسط طوفان من البشر، وغياب الاحترام، الخوف من مزيد من «التوهان» وغياب الهدف وتحديد المكان ففي الازدحام يضيع أيضاً الزمن والوقت، الشعور بالاغتراب يزداد ويتعمق وسط زحام لا يرحم، تصنيع هوية الإنسان الذي كان يعرفها ويحددها، فهو أصبح شخصية هلامية، ليس بمقدورها حتى أن تحدد طريقها ولا تصل في ميعادها إلى وجهتها المحددة، فينكمش الإنسان ويتشرنق، وفي النهاية يصمت ربما للأبد.

الصين، التي تشكل ربع سكان العام حيث يصل تعداد سكانها حسب إحصائية عام 2008 إلى ما يزيد على مليار وثلاثمائة مليون نسمة، ثاني أكبر الدول ازدحاماً، وهي الدولة العملاقة التي تعد ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، احتلت في الوقت ذاته مركزاً عالمياً آخر.

حيث أصبحت الدولة صاحبة أطول طابور من السيارات والشاحنات لتمويل سياراتها بالوقود، ولكن للصينيين دائماً فلسفتهم، وحلولهم، فرفعوا شعاراً صينياً دافعاً لمقاومة الازدحام وهو: «من لا يصبر لا يصل»!

فالازدحام في كل مدن الصين لا يقل طول السيارات المنتظرة ان تتحرك «عجلة للأمام ـ لا يقل ـ عن 100 كيلو متر خاصة ليلاً عندما تبدأ الشاحنات العملاقة في نقل الفحم من أجل الشتاء القارس، والمعروف في الصين باسم «الذهب الأسود»، ويفترض أن تقل نسبة الزحام في الصيف.

هكذا يتوقع خبراء المرور الذين يعتبرون أكفأ خبراء مرور على مستوى العالم، لأن بمقدورهم تشتيت الازدحام بخطط مدروسة الاّ في حالات استثنائية، ومثل هذه الخطط الصينية لتنظيم المرور داخل كل المدن الصينية والطرق السريعة وشبكة الكباري، تتعامل مع ربع سكان العالم!!

فالإبداع بحق لا يتجزأ، هكذا يعتقد الصينيون.

علماء النفس في الصين يناشدون الأسر التي بها أطفال، ألاّ يصطحبوا صغارهم وسط الزحام، فالتكدس البشري وتكدس السيارات والتلوث الصوتي، يؤثر على مراكز معينة بالدماغ والأذن والعيون وأيضاً العضلات، فينتج عن ذلك نمو أجيال من الأطفال لا يبدعون، فالإبداع والهدوء وجهان لعملة واحدة نادرة، وبدأت السلطات المرورية تفرض غرامات مالية في حالة تكرار ظهور الصغار وسط الزحام، فالصين تطل على مستقبل متفرد، الصغار هم أبطاله وآماله.

خلل في التخطيط

طبيعة تخطيط المدن والعواصم الحديثة تزيد من الازدحام وان كانت تخطط للحد منه، «مولات» أو مجتمعات التسوق في عواصم العالم والتي يزيد عدد طوابقها على السبعة والعشرة طوابق في عواصم الغرب، تتحول طرقاتها إلى شوارع داخلية من «السيراميك» يتخبط فيها الناس، ويتزاحمون على التسوق وحمى الشراء في مجتمعات استهلاكية، برهة من الراحة يبحث عنها طوفان عملاء وزبائن المولات وعشاقها، فيتزاحمون هذه المرة على «الفوود كورت».

أو تجمعات المقاهي والمطاعم التي يضيع تصميمها من نسبة البشر الذين يسدون المكان، يأكلون في نهم، ولا مانع من معاكسات ثقيلة الظل والمعنى، بعيدة كل البعد عن هدوء الزمن اللي فات بكل نعومته وجمالياته حتى في التعبير عن معاني الحب والإعجاب، بالاحترام وشموخ الزمن الجميل، يسير العشاق على جانبي النهر وفي الحدائق، ربما زهرة «البونسية» الناعسة تعبر عن مشاعر جميلة بين طرفي معادلة الحب لرسم مستقبل حياتهم في هدوء.

في ثوان وسط الزحام، يتبادل الشباب والفتيات عناوين الكترونية في لمح البصر، ويبدأ كل منهم جولة على أزرار «اللاب توب» المعبر عن مشاعر لاهثة مثل الزمن نفسه، موبايلات ترن، وصراخ صغار، وعصبية الكبار، تملأ المكان كل هذه المظاهر من سلبيات الازدحام والتلوث الصوتي الناجم عنه، والتلوث السلوكي الذي تنتهي به «حكاية يوم مزدحم»!!

وظاهرة الازدحام هذه تفرض علامة استفهام مهمة وهي، لماذا كل هذا الجموح للخارج وترك البيوت خاوية؟ وكيف تكون الطرقات مزدحمة بالنسبة نفسها التي تزدحم فيها في أوقات الذروة؟

هل وصل جحود الأجيال الجديدة من الأبناء ترك البيت على أبوين ربما هما في حاجة لعون أبنائهم، والتحدث معهم بعد طول صمت ومساحة من الوحدة تطبق على النفس، فتزيدها ضيقاً ووحشة، هل كل المتواجدين بسياراتهم والسائرون «نياماً» في حالة توهان، لا يتواجدون في أعمالهم؟

إنهما ظاهرتان سلبيتان قفزتا من سلوكيات غير مبالية بالأهل والعمل معاً، فكان الازدحام والاختلاط والهرولة نحو ماذا؟ نحو الفراغ بكل أنواعه!

فوضوية

ربما يكون هذا التحليل لظاهرة سلبيات الازدحام يعكس الكثير من الجحود وفوضوية المجتمعات، وسيطرة الالكترونيات في غياب العقول البشرية التي تتوقف عن لمحة إبداع، أو نظرة تأمل أو الاستمتاع بمساحة هادئة محايدة الأصوات، غير متداخلة في نوعياتها، فوسط الزحام صراع وضجيج، وأصوات أطفال ودعت طفولتها مبكرة وسط الطوفان.

ونباح كلاب ومواء قطط، وسيارات يخرج منها «صوت موسيقى» مختلفة عن تلك الذي قدته «جوني أندروز» في فيلمها الشهير «صوت الموسيقى» الازدحام اليوم سلبي لا معنى له، مقارنة بالازدحامات التي كانت تتبع فكرة واحدة هي الاعتراض على المستعمر، فتكون المظاهرات والهتافات ولكنها تندرج تحت عقل مدبر وفكرة واحدة شامخة.. الحرية.

تأثيرات

ويترتب أيضاً على التلوث الصوتي تأثر الجهاز العصبي تأثيراً مباشراً بالأصوات، حيث تندفع إليه الموجات الصوتية العالية في شكل إشارات كهربائية وتعْبر هذه الإشارات الألياف العصبية حتى تصل إلى لحاء المخ، فتتهيج وتثير إشارات لكل أعضاء الجسم فيحدث الاضطرابات الصحية مثل سرعة دقات القلب والنبض.

وتقلص الجهاز الهضمي، وازدياد افرازات المعدة الحمضية المسببة للقرحة المعدية والتي من أسبابها العيشة في أماكن مزدحمة عالية الأصوات، وارتفاع في ضغط الدم قد يكون مؤقتاً.

والازدحام والتلوث الصوتي وجهان لعملة فشل العديد من المتجمعات، لأن بسببها تقل إنتاجية العمال في المصانع بسبب التوتر والخوف والأمراض العضوية، وتقول دراسة قام بها العالم البريطاني «ه.سي.وستون» أوضح فيها إن كفاءة النساجين البريطانيين قد زادت بمعدل 2% عندما وضعوا في الأذن سدادات معينة تعزل الأصوات عن الأذن.

ولكل ظاهرة سلبية حلول، هكذا يعتقد المتفائلين وأيضاً أصحاب الدراسات، فماذا يقولون؟

إن مكافحة التلوث الصوتي الضوضائي، يمكن تقليل حدته، بإعادة التخطيط العمراني الجيد الذي يراعي وجود المناطق السكانية والمدارس والجامعات بعيداً عن مصادر الضوضاء، عدم منح تراخيص إقامة المصانع في كردون المناطق السكنية.

ويمكن كذلك استخدام المواد العازلة للصوت في بناء المنازل الحديث والمدارس والمستشفيات والمصحات النفسية، وضع ضوابط مكبرات الصوت وبخاصة في أماكن الترفيه العامة، تنسيق حركة المرور ووضع نظام خاص للسيارات بمعنى إن السيارات التي تحمل أرقاماً فردية يخصص لها أيام معينة في الأسبوع للسير والعكس بالنسبة للأرقام الزوجية، تخصيص بدائل للسيارات.

كما يحدث في مدن وسط أوروبا بمعنى استخدام الدراجات الهوائية تخصيص حارات خاصة للسير فيها، وأماكن أخرى لسير الأفراد للعمل، زيادة توعية المجتمعات الفوضوية عن طريق وسائل الإعلام المختلفة بأخطار الازدحام والضوضاء.

بالإضافة إلى التغيير النسبي في عادات وتقاليد هذه المجتمعات مثل وضع ضوابط ومواعيد لإغلاق المحلات التجارية والمطاعم مثلما يحدث في عواصم الغرب المتقدم باتباعها نظام حياتي واعٍ وحضاري.

والازدحام والفوضوية انعكسا على العديد من الأعمال السينمائية المصرية والعالمية، ففيلم «هي فوضى» للكاتب ناصر عبدالرحمن وبطولة خالد صالح ومنه شلبي وسوسن بدر وهالة فاخر ويوسف الشريف وهالة صدقي.

ومن إخراج يوسف شاهين، وخالد يوسف، يتناول الفساد والازدحام والخروج عن المألوف في المجتمع المصري، ومشهد القمة فيه أو «الماستر سين» هو اندفاع بشري هائل أمام بوابة قسم الشرطة في صراع بين ضباط الشرطة وخالد صالح الذي يرمز للفساد، وهو مشهد عبقري في إخراجه وتمثيله.

وفيلم «أنا وانت وسكة سفر»، بطولة يحيى الفخراني ونيللي، يعكس صورة الازدحام الفائق في القاهرة في إطار فكرة غريبة، يعكس يأس يحيى الفخراني من وصوله لمنزله بعد يوم عمل طويل في منطقة شارع رمسيس قمة الازدحام، فما كان عليه إلاّ أن يركب القطار من محطة مصر، المتجه للاسكندرية.

فقد أرغمه الازدحام على تغيير خطة يومه وترك القاهرة بدلاً من الراحة في منزله، وتلعب المفارقة دورها فيجيء مقعده بجوار نيللي التي كان يحبها يوماً، وحال القدر دون الارتباط بالزواج، الفيلم رمز لإمكانية تغيير خطط الإنسان وسط الأجواء العشوائية التي يبتلى بها مجتمع ما.

وهناك شخصيات لها القدرة على الانفصال النفسي التام عن كل ما يدور حولهم، فلا يبالون كثيراً بالازدحام وما ينجم عنه من تلوث صوتي، ولكن هؤلاء مع الوقت يصابون بإرهاق مزمن حاد كنتاج التحميل الخارج على جهازهم العصبي.

وهناك أيضاً من يتعامل مع كل السلبيات برومانسية تهدئ النفسي والوجدان مثلما يقول فاروق جويدة في قصيدته الرائعة «وسط الزحام»:

«.. ورأيت تيار الزحام

يشدني مثل العباب

ووجدت طيفك من بعيد

يختفي بين الضباب

فرفعت منديلي ألوح في الفضاء

إلى اللقاء حبيبتي.. وإلى اللقاء!»

منى مدكور