عند الحديث عن «التواصل» أو «مجتمع المعلومات» أو «اقتصاد المعرفة» يذهب التفكير غالبا نحو الاعتقاد أن المعرفة يمكن اختزالها على جملة من المعطيات الجزئية والمعزولة والقابلة للطرح في الأسواق كأية سلعة أخرى. أمام مثل هذه الرؤية «الاختزالية» يقدّم أستاذ الأدب في جامعة غرونوبل «ايف سيتون» كتابا تحت عنوان «مستقبل العلوم الإنسانية».
ويؤكّد المؤلف بداية أن العلوم الإنسانية تمتلك كفاءة عالية تتمثل في قدرتها على «التعليل والتأويل» وبالتالي على التجديد. ويعرّف هذه الكفاءة أنها السبيل نحو تخطّي «القراءة الآلية» التي يفرضها مجتمع المعلومات والمعلوماتية ومنطق السوق الذي يشغل ساحة النشاط الاقتصادي كله، بما في ذلك اقتصاد المعرفة. وتخطي القراءة الآلية ذات البعد الاقتصادي والنفعي بالدرجة الأولى والأساسية يمثّل نشاطا يتطلب قدرا كبيرا من الثقافة.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين سبعة فصول يمثل الستة الأولى تساؤلات تبحث عن إجابات، وتخص: «كيف يمكن التفكير وإعادة التفكير بمعارفنا»؟ و»كيف نتعامل مع قضية البحث عن الفهم»؟ و«كيف نلج طريق المستقبل»؟
و«ما هي الشروط المطلوب توفرها للقيام بمثل هذا الفهم »؟ و«كيف يتم تكوين من يقومون بمهمّة الشرح والتفسير»؟ و»كيف نجعل المستقبل ذا نزعة إنسانية»؟ والفصل الأخير يحمل عنوان «سياسات العلوم الإنسانية».
يشرع المؤلف بداية في توصيف الوضع الإنساني القائم في وضعه الراهن أنه وليد رؤية للعالم تقول أننا نعيش في «مجتمع المعلومات» أو في ظل «اقتصادات المعرفة». مثل هذه الرؤية وهذا التأكيد يجدان ما يدعمهما في الانتشار الكبير لشبكة الانترنت وخاصة الدور الذي يلعبه «محرّك غوغل» للبحث أو موسوعة «يوكيبيديا».
لكن هذا الواقع يترافق مع نوع من «التفاؤل» مصدره أن الانتشار الكبير للمعلومات هو «أمر جيّد بحد ذاته». هنا يفتح المؤلف قوسين كي يسأل: لكن هل تعبير «اقتصاد المعرفة» دقيق؟ وضمن مثل هذا النسق من الأسئلة يطرح المؤلف مسألة العلاقة بين «العقلانية الاقتصادية» وبين «عالم المعرفة» شبه الروحاني؟ ما يؤكده المؤلف هو أن الحالة القائمة تثير الكثير من التساؤلات.
الخطوة الأولى في معرض محاولة الإجابة عن مختلف التساؤلات المطروحة يجدها المؤلف في ضرورة «توضيح جميع المفاهيم». وهو يؤكد على وجود «فرق نوعي»، «فرق في الطبيعة» بين مجرد قراءة نص وبين أن يجعل المرء منه «نقطة انطلاق لتفكير حي ومبدع».
في الحالة الأولى، «مجرّد القراءة» السطحية يتم الاكتفاء بأخذ القوالب الموجودة قبل أي تحليل وتطبيقها على معلومات أو أوضاع جديدة، أما في الحالة الثانية فإنه يتم وضع القوالب الموجودة نفسها أمام امتحان مدى صلاحيتها بحثا عن «الجديد» في النص المعني. الفرق بين الطريقتين هو الذي يميّز بين النشاطات الحسية-الحركية «المباشرة» وبين النشاطات الإبداعية.
ويشرح المؤلف أن الحديث عن فكرة «مجتمع المعلومات» وقصرها على المفهوم الفقير ل«المعلومة» إنما يعني اعتبار أن هذه الفكرة مجرّد مسألة «آلات» وبالتالي عدم فهم ما يسميه المؤلف ب»تفرّد» حقبتنا». هذا التفرد، يحدده بالقول أن الاقتصاد يقوم بدرجة أقل فأقل على أسس مادية وأكثر فأكثر على «حساسيات غير مادية للرغبة».
ويرى المؤلف أن الاستفادة من هذا المنعطف الكبير حول «ما هو غير مادي» تكمن في مدى القدرة على التأويل والذي كان أصلا وراء إرساء أسس المجتمعات المعاصرة «مجتمعات المعلومات» بمقدار ما هي «مجتمعات المعرفة».
في القسم الثاني من الكتاب يؤكد المؤلف على أهمية مسيرات التطور الجماعية المرتبطة بحالة المجتمع ككل. ذلك على أساس أن التجديد، كما أثبتت شبكة الانترنت، لا يولد سوى عبر تعاضد عمل الأفراد. ويؤكد ايف سيتون القول بضرورة الابتعاد عن معايير الإنتاج الراهنة القائمة على السرعة والمنافسة، بل وتشجيع التراجع والإبطاء في حركة التقدم كشرط لا بد منه من أجل «البحث الخلاق».
وتتم المطالبة في هذا السياق بضرورة دمج «الثقافات الفرعية»، و«الثقافات الثانوية» في مجتمعاتها للاستفادة من قدراتها الخلاقة وبما يمكن أن تقدمه من مساهمة في سبيل التجديد. ويطالب المؤلف بإعادة الاعتبار لما تتم تسميته في المجتمعات الغربية تقليديا ب«العلوم الإنسانية». والمقصود تلك الثقافة العامة والتاريخ وعلم الاجتماع والأدب والفلسفة، الخ.
الوجه الآخر للمطالبة بإعادة الاعتبار لمختلف العلوم الإنسانية هو إحداث نوع من «القطيعة» مع «المبدأ» الصناعي، القائم على المردودية الإنتاجية والنزعة المادية المتطرفة، التي لا تزال هي «المحرك» الرئيسي لمختلف الأحزاب والإيديولوجيات السياسية السائدة على صعيدي اليمين واليسار في البلدان الأوروبية.
إن المؤلف يرسم في هذا الكتاب نوعا من «خارطة الطريق» للمجتمعات الغربية المعاصرة التي «لم تعد تجدد ما فيه الكفاية والتي فقدت ما كان يشكل قديما مصدر قوتها وديناميتها في التجديد». ولم يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول أن «مستقبل الإنسانية متعلّق بمستقبل العلوم الإنسانية».
و«علوم بلا وعي تعني نضوب منبع السمة الحية للمجتمعات الغربية التي مشت الخطوة الأولى نحو الانحطاط». كما تمكن صياغة رسالة هذا الكتاب.
الكتاب: مستقبل العلوم الإنسانية
تأليف: ايف سيتون
الناشر: لاديكوفيرت - باريس 2010
الصفحات: 204 صفحات
القطع: المتوسط
