الإحساس بالعار شعور انتاب جميع البشر تقريباً للحظة أو لساعة أو ربما لسنوات طويلة. وفي أغلبية الأحيان يعيش المعني هذا الشعور وحده وفي محاولة دائمة ل«إخفائه» عن الآخرين.

هذا الشعور ب«العار» والتعامل معه هو موضوع كتاب الطبيب النفسي-العصبي والأستاذ الجامعي الفرنسي بوريس سيرولنيك تحت عنوان: «الخشية من الاعتراف بالعار».ويكتب المؤلف في بداية كتابه: «إذا أردتم أن تفهموا لماذا لم أقل شيئاً، يكفيكم البحث عن الأسباب التي أرغمتني على الصمت. إنني سوف أصمت كي أحمي نفسي.ومن يعتريه الإحساس بالعار يأمل أن يستطيع التحدث عن ذلك، لكنه لن يتمكّن من قول أي شيء لكن طالما أنه يخشى نظراتكم (...). وإذا تكلّمت يضاف إلى العار، الذي دفعني للصمت، الإحساس بالذنب كوني قد أقحمتكم في التعاسة التي أعاني منها. إن كل إنسان بيننا قد عرف العار لساعتين أو لعشرين عاماً. لكن هذا الإحساس الذي يسمم الحياة ليس مصيراً محتوماً لا يمكن استخراجه».

بهذه الكلمات يطرح المؤلف إشكالية «العار» ويبحث في محاولة مساعدة المعنيين فيه بتجاوز الإحساس بالذنب وأن يستعيدوا القوة و«حرية التفكير» و«الاعتزاز بالنفس».

وهذا في ستة فصول تحمل العناوين التالية: «الخروج من العار» و«الموت في النفس: بسيكولوجية العار» و«العار الظالم» و«بيولوجية العار» و«الاحمرار خجلاً من العار» وأخيراً: «ثنائي متنافر: العار والاعتزاز بالنفس».

مركز الاهتمام الرئيسي في تحليلات هذا العمل هو بالتحديد «ضحايا العار»، وخاصة أولئك الذين يترعرعون في ظل مثل هذا الإحساس. ويشير إلى وجود مصادر عدة له بينها ما هو اجتماعي وما هو اقتصادي وما هو جسدي. ولكنه «مخبوء» عامة بعيداً عن كل ما يقال ويعلن.

وهذا ما يشبهه المؤلف بسلوك «الطريدة» التي لا يبقى في ذهنها سوى فكرة واحدة هي «الالتجاء إلى جحر» يحميها من مطارديها.

كذلك الذين ينتابهم الإحساس بالعار يريدون «الاحتماء» من نظرات الآخرين التي تحمل قدراً كبيراً من السعي ل«إذلالهم». القاعدة العامة هي أن من لا يستطيع «فرض نفسه» يتجنّب المشهد العام.

ما يؤكده المؤلف هو أن الإحساس بالعار «يولّد قدراً كبيراً من الألم» إنه «سم زعاف للروح» و«مصدر كبير للمرارة». لكنه لا يصل غالباً إلى حالة «التدمير الذاتي»، إلا إذا «تطوّر إلى إحساس بالذنب، وهنا يغدو «التجاوز» مطلباً علاجياً.

ويشرح المؤلف أن رغبة «الخروج من العار» تدفع المعني أحياناً إلى طريقة المبالغة في التعويض بالاتجاه الآخر. ذلك مثل الذين يشكل جسدهم مصدر خجلهم وعارهم عندما يلجؤون إلى «تربية عضلاتهم».

ومثل الذين يدفعون خجلهم من الحديث إلى أن يصبحوا ممثلين. تتم الإشارة هنا إلى أنه ليس من الغريب أن «يخترع» المعنيون مسارات خيالية للنجاح من أجل «التعويض» عن إحساسهم بالعار. هذا كله يعتبره المؤلف «دفاعاً عن النفس». لكنه لا يرى بذلك الطريقة الأفضل.

الطريقة الأفضل، كما يحددها المؤلف، هي ذات طابع ثقافي عام. هذا بمعنى العمل على تغيير «المعايير والروايات» السائدة بحيث أن الكثير ممن يعانون من الإحساس بالخجل والعار يمكنهم أن يستبدلوا ذلك الإحساس بنوع من الشعور بالاعتزاز.

الأمثلة المقدّمة عديدة كالقول إن «الفقراء» كانوا يحسّون سابقاً بشيء من «العار» بسبب وضعهم الاجتماعي، أما اليوم فيمكن للعديد منهم القول إنهم فقراء فعلاً ولكنهم يعملون ولديهم أسرة بل وفخورون بما يقومون فيه «التعبير» الثقافي هو الذي يحدد «الخجل» من كون الإنسان فقيراً أو «الاعتزاز» بكونه فقيراً ولكنه يفعل أشياء مهمة.

تتم الإشارة هنا إلى أن الإحساس بالعار مصدره «الذات» وليس الآخر. إن المعني هو الذي «يترجم» نظرة الآخر أو حركاته أو صمته. وبالتالي هو الذي يعطيه إمكانية دفعه نحو مزلق الخجل والعار. ثم إلى الصمت. «صمت الضحية»، خاصة في الحالات التي يكون مصدر العار فيها هو التعرّض لاعتداء جسدي أو للتعذيب.

في هذه الحالات ورغم براءة الضحية فإنها لا تلجأ «إلا نادراً» للشكوى لدى السلطات العامة. إنها «لا تمتلك القوة» الكافية للإفصاح عما تعرضت له. وهذا ما هو شائع في حالة «مجازر الإبادة» في رواندا وغيرها حيث يعتقد الضحايا أنهم «يحمون أطفالهم» عبر تجنيبهم الخوض في «رعب» التجربة التي عاشوها.

ويتعرّض المؤلف على مدى صفحات في الكتاب للإحساس بنوع من «العار» لدى المهاجرين في بلد مثل فرنسا، مع التأكيد على وجود «حدود» بين مثل هذا الإحساس وبين آخر يدفع نحو الاعتزاز. وهو يؤكد قبل أي شيء على أهمية السن التي يصل فيها المهاجر إلى المجتمع الجديد. ومشاعر «الاقتلاع من الجذور» إذا كانت قد تأصلت فيه لغة وعادات وتقاليد مجتمعه الأول.

يقول المؤلف: «عندما يعاني الأهل من وجودهم في بلد مجهول يحسّ الأطفال بالعار كونهم من أبناء المهاجرين». ويضيف في موقع آخر: «لست فخوراً بالانتماء إلى بلاد تطرد أناساً تمكنها مساعدتهم».

في المحصلة يشكل الإحساس بالعار «سلاحاً فعّالاً جداً للضغط الاجتماعي». ذلك أن من لا يتقيّد بما هو أخلاقي عليه «الخجل» من نفسه فضلًا عما يجلبه من «العار» لأسرته. من هنا لو لم يكن هناك مثل هذا الضغط «ربما» تهتز بنية المجتمع. «الفاسقون» فقط لا يعرفون مثل هذا الإحساس بالعار.

الكتاب: الموت والاعتراف بالعار

تأليف: بوريس سيرولنيك

الناشر: اوديل جاكوب باريس 2010

الصفحات: 360 صفحة

القطع: المتوسط

Mourir de dire: la honte

Boris Cyrulnik

Gal limard - Paris 2010

360P.