أمضى الطبيب والباحث بول فارمر سنوات طويلة من حياته وهو يجوب أكثر بلدان العالم فقرا في مختلف القارات من هاييتي إلى البيرو ومن بنغلاديش إلى رواندة. وكان يدوّن في جميع تنقلاته ملاحظاته وأفكاره التي جمعها في كتابه الأخير «شريك الفقراء» الصادر قبل فترة عن جامعة كاليفورنيا الأميركية.
تبدأ الكتابات التي يحتويها هذا الكتاب عام 1988 وتنتهي في عام 2009. ويتطرّق مؤلفها فيها لمواضيع عديدة ومتنوعة تخص عالم الفقر والفقراء وسبل تحسين مستوى معيشتهم.وهكذا تطال مسائل الصحة المتعلقة بالعلاج والوقاية وانتشار الأوبئة بالنسبة لبلدان العالم الفقيرة، وكذلك المسائل المتعلقة بالسياسات العالمية للصحة العامة والمساعدات الدولية والعدالة الاجتماعية. وبالإجمال يحاول مؤلف هذا الكتاب «تغيير طريقة التفكير» السائدة لدى الدول الغنية خاصة، فيما يتعلق بصحة البشر.يذكر المؤلف أنه عمل منذ بداية سنوات الثمانينات في هاييتي من موقعه كطبيب مختص بالأمراض السارية وطرق الوقاية منها. وانطلاقا من تلك التجربة تعرّف على «الأساطير» التي تحيط بأمراض الفقراء.
ويؤكد أن الأمراض الشائعة آنذاك وفي مقدمتها مرض السل كانت نتائج لسبب واحد أساسي هو الفقر. من هنا يذكّر بما قاله العديد من خبراء التنمية في العالم ومفاده أن مكافحة الأمراض تبدأ واقعيا من مكافحة الفقر.
ويؤكد بول فارمر القول أنه عندما زار موسكو بعد أربع سنوات، أي عام 1998، كانت الظروف لا تزال على نفس الدرجة من السوء في المعتقلات والسجون، ولم يكن انتشار مرض السل أقل مما كان عليه سابقا.
ويشير إلى أن الأدوية التي كان المصابون يتداوون فيها لم تكن فعّالة ضد الجراثيم المسببة للمرض.
ويصل المؤلف من خلال معاينته للواقع أن حصة المريض من العلاج لم تكن تزيد سنويا عن ثلاثة دولارات وبالتالي ما كان له أن يستفيد من «الأجيال الجديدة» من العقاقير الطبيّة.
تتم الإشارة في هذا السياق أن المرضى من السجناء لا ينقلون المرض إلى النزلاء فقط ولكنهم يشكلون مصدر عدوى بالنسبة للزائرين والحراس وعلى الآخرين عندما يتم إطلاق سراحهم. ذلك أن «الجراثيم لا تبقى أسيرة الجدران العالية» أيضا. ويشير المؤلف في تحليلاته إلى تقارير صدرت عن هيئات للمساعدات الدولية وتدلّ على أن البعض منها رفضت تقديم الأدوية المضادة لمرض نقص المناعة المكتسب في إفريقيا حيث ينتشر إلى درجة مخيفة.
ويشير إلى أن المسؤول السابق عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قد صرح للجنة المعنية في الكونغرس الأميركي عام 2001 أن الأفارقة الريفيين «لا يعرفون ما تعني الساعة»، وبسبب عدم وجود معنى للزمن عندهم فإنهم لا يستطيعون تناول أدويتهم حسب الجدول الزمني المطلوب.
وتقول النتائج التي يصل إليها في تحليلاته أن العوامل الثقافية تلعب دورا قليلا في انتشار الأمراض واستمرارها وفي الآلام التي يعاني منها الفقراء.
أما الدول الأكبر في ذلك فيحدده في المنظومات الاقتصادية والسياسية التي تصوغ نمط حياتهم.
وتزيد هيئات المساعدة سوء مصيرهم عبر تعاونها مع الأنظمة القمعية السائدة عندهم. تتم الإشارة هنا إلى أغنية يرددها مطرب من هاييتي يقول أحد مقاطعها: «المنظمات الدولية ليست من أجلنا، إنها موجودة لمساعدة اللصوص كي يسرقوا وينهبوا».إن مؤلف هذا الكتاب يتحدث فيه طويلا عن أحداث ومسائل وأوضاع لا تهم الأميركيين كثيرا، ولا تهم سوى القليل منهم، لكنها جوهرية، كما يقول، في صناعة المآسي التي يعيشها الفقراء من هاييتي إلى إفريقيا.
والحديث عن الايدز والسل والحروب والمجاعات، وآلام الملايين من البشر لا يثير اهتمام كُثر في العالم. هذا في الوقت الذي يحتاج فيه المرض إلى أدوية و»ليس لدراسات جديدة تصف آلامهم».
وليس من المبالغة القول أن حوالي نصف هذا الكتاب يكرّسه المؤلف لشرح آليات تقليص آلام الفقراء التي خلقتها الحروب وأشكال عدم المساواة الاقتصادية.
وأيضا لشرح الجهود التي قام فيها «واقعيا» في سبيل ذلك. والهدف هو «إطلاق الشرارة من أجل العمل» نحو عالم أكثر عدلا.
الكتاب: شريك الفقراء
تأليف: بول فارمر
الناشر: جامعة كاليفورنيا 2010
الصفحات: 680 صفحة
القطع : المتوسط
Partner to the poor
Paul Farmer
University of California Press - 2010
680p.

