كلود مونيه، هو أحد أشهر رسّامي فرنسا في كل العصور، ولا شك أحد أشهرهم في تاريخ الرسم بالعالم باعتباره أحد رموز التيار «الانطباعي» في هذا الميدان. وجورج كلمنصو هو أحد أشهر رجال السياسة الفرنسيين، إذ كان على رأس الدولة في فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى وصانع انتصارها.

هاتان الشخصيتان الاستثنائيتان يجمع المحامي والأستاذ الجامعي الفرنسي اكسندر دوفال-ستالا سيرة حياتهما في كتاب واحد من موقع صداقتهما تحت عنوان: «كلود مونيه- جورج كلمنصو، تاريخ واحد وشخصيتان». ذلك كما كان قد فعل سابقا عندما كتب سيرة حياة الرئيس شارل ديغول ووزير ثقافته الكاتب الكبير اندريه والرو في كتاب واحد.لقد ربطت صداقة متينة بين كلود مونيه وجورج كلمنصو. «صداقة استثنائية عاشت طويلا»، كما يصفها المؤلف. ومن الآثار التي لا تزال تدل عليها 153 رسالة كان كلمنصو قد أرسلها إلى كلود مونيه.

وهي رسائل «مثيرة للضحك» أحيانا و»زاخرة بالحنان» دائما والتي «تلقي أضواء جديدة غير منتظرة على شخصية رجل السياسة الشهير».وما تفصح عنه هذه الرسائل يترجمه المؤلف بالقول أن جورج كلمنصو كان يلعب دور «الداعم الأخلاقي» بالنسبة لكلود مونيه الذي كانت «تعتريه حالة من الشك». لكن في الحالتين كان «الفن» هو الذي يجمع بينهما. ذلك من موقع «مونيه» وعبقرية في الرسم و»كلمنصو» الشغوف بالفن من زاوية ما يثيره لديه من مشاعر «جمالية».

ومع مرور الزمن تعمّقت الصداقة أكثر بين رجل الفن ورجل السياسة وازداد إيقاع الكتابة بينهما اعتبارا من عام 1920 حيث كانت قد خفّت المسؤوليات السياسية لجورج كلمنصو. وينقل المؤلف من إحدى رسائل هذا الأخير لصديقه الفنان من رسالة تعود إلى عام 1895 ما مفاده:

«أجد أعمالك رائعة وأعبّر عن ذلك بكل صراحة. فقط أقول لا بد من المزيد. وينبغي إيجاد النبرة المطلوبة من أجل دفع الأنوار أعمق في الأدمغة المظلمة. إنها مهمة صعبة. عليك أن تعمل وجهدك مشكور مسبقا من أجل كل ما ستفعله لمن سيأتون لمشاهدة أعمالك لاحقا. مع كل تمنياتي القلبية».

ونقرأ من رسالة لكلمنصو تعود إلى عام 1920 يدعو فيها صديقه للقدوم إلى بيته: «عليك أن تدرك أنك إذا لم تأت فسوف لن تعرف أبدا مرق الملفوف. وما عدا هذا هل هناك ما يستحق الحياة؟ لست متأكدا من ذلك».

ونقرأ في رسالة أخرى تعود لعام 1922: «صديقي العزيز، سوف آتي لزيارتك يوم الأربعاء كي أقول لك وداعا وسأنتهز الفرصة لتناول طعام الغداء معك»، ثم في رسالة أخيرة تعود إلى عام 1923: «صديقي العزيز، كل إنسان يأتي إلى العالم ينال خلال حياته عددا من الركلات على قفاه. وثق أنك لم تنل حتى الآن حقّك منها».

ويركز المؤلف على القول أن صداقة كلمنصو ومونيه قامت على رغبة عميقة وإرادة مصممة من كليهما. ذلك على قاعدة أن الإنسان يختار أسرته لكنه لا يختار أصدقاءه. وكل صديق يبحث لدى الآخر عن إجابات على أسئلة لديه أو عن طموحات كامنة وغير ظاهرة للعيان.

هكذا لا يتردد في القول عن كلمنصو ومونيه: «لا يوجد بين الاثنين شيء كثير مشترك للوهلة الأولى»، ولكن التأمل العميق في صداقتهما «أثبت عكس ذلك».ويؤكد المؤلف القول ان جورج كلمنصو خاصا «معركة واحدة» ولكن «على جبهتين». مونيه أراد فرض حركة جمالية جديدة في فن الرسم جسّدتها الانطباعية التي رأى بها كُثر آنذاك «نهضة جديدة».

المقصود مثل تلك التي عرفها عصر النهضة الأوروبي ابتداء من القرن السادس عشر بعد فترة العصر الوسيط «المظلمة». هذا مع تحديد المؤلف القول ان «النهضة الجديدة» التي أرادها «مونيه» كانت فرنسية حصراً.

وجورج كلمنصو خاض معارك حقيقية من أجل «ازدهار الجمهورية» على أساس مبادئ وقيم تؤكّد على الحرية الكاملة للفرد. بهذا المعنى يرى المؤلف أن صداقة جورج كلمنصو وكلود مونيه «تغذت» من أفكار تنويرية لخدمة فكرة محددة لفرنسا التي يريدانها. ويتم تلخيص هذه الفكرة بركيزتين أساسيتين هما «حرية الإبداع» و»حرية العيش». ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما مفاده أن أيا من هاتين الركيزتين لا يمكنها أن تكون فاعلة دون الأخرى.

ويخلص المؤلف من تأمّله الفكري لسيرة حياة جورج كلمنصو وكلود مونيه إلى القول ان نماذج من أمثال هذين الرجلين يمكنها أن تكون أساسية لمواجهة «مجتمع الاستعراض» والاستهلاك الذي يسبب تشوهات حقيقية لدى البشر اليوم.

أما سرّ بقاء «كلود مونيه» الفنان حيا في الذاكرة ووفود مئات الآلاف إلى «مرسمه» الذي أصبح متحفا في قرية «جيفرني» غرب باريس، ونسيان كلمنصو إلى حد كبير، فيجده المؤلف في كلمات لكلمنصو ذاته جاء فيها:

«لقد عاش الفنان لحظة سامية من الفن وبالتالي من الحياة. لكن الإنسان فيه هو ما أبحث عنه أبعد من الفنان. الإنسان الذي تجرأ أن ينظر إلى مشاكل العالم وجها لوجه وأن يمزجها مع أسمى دوافعه في الكتلة الجمالية لحساسية لا غبار عليها وبإرادة لا يمكن لشيء أن يحرفها عن مسارها».

الكتاب: كلود مونيهجورج كلمنصو: تاريخ واحد وشخصيتان

تأليف: الكسندر دوفال ستالا

الناشر: غاليمار باريس 2010

الصفحات: 300 صفحة

القطع: المتوسط

Claude Monet, George Clémenceau : une histoire, deux caractères

Alexandre Duval Stalla

Gallimard - Paris 2010

300p.