قبل أن يصبح المبدعون أدباء مشاهير يشار إليهم بالبنان كانوا أطفالاً عند أهلهم. والباحثان الفرنسيان اتيين كيرن وآن بوكيل يقدمان كتابا عن هؤلاء الأهل تحت عنوان: «تاريخ أهالي الكتاب»، ويحددان الفترة الزمنية التي يدرسانها بالقرنين التاسع عشر والعشرين.
الخط الرئيسي الناظم لمحتويات هذا الكتاب يتمثل في محاولة شرح الكيفية التي تصرّف فيها أهالي أولئك الذين أصبحوا نجوما فيما بعد عندما عرفوا بنزوعهم نحو «احتراف» الكتابة كمهنة لهم. والقاسم المشترك بين الأغلبية الساحقة من هؤلاء الأهالي تتمثّل في كون أن رد فعلهم الأول كان الإعلان عن رغبتهم في أن يختار أبناؤهم «مهنة جدية». تتوزع مواد هذا الكتاب بين عشرة فصول يحمل أوّلها عنوان: «هذا ليس عملا» وتنتهي بآخر عنوانه: «الأدب كارثة»، وتتحدث الأخرى عن «العصافير النادرة» و«رأي الآخرين» و«الأمر ليس فضيحة» و«قرأت كتابك» و«لا أحد نبي في بلاده» و«عندما يتدخل الأهل في الأمر».
إن جان بول سارتر هو أحد أكبر أدباء وفلاسفة القرن العشرين، ليس في فرنسا وحدها ولكن على صعيد العالم كله، لكن هذا لم يمنع أمه من أن ترى به دائما ذلك الطفل الوديع الذي كانت تدعوه ب«بولو».
وينقل المؤلفان عنها قولها «لو كنتم تعرفون كما كان بولو غلاما مهذبا وديعا وناعما وسهل الطباع (...). إنني كنت أتمنى أن يبقى أستاذا ويتزوج وينجب أطفالا. لكن كان لديه ذلك الميل.. دعونا لا نتحدث في هذا الأمر ونذكر اسمه». وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن والدة جان سارتر لم تكن مؤيدة أبدا لأفكاره ومقولاته، لكن هذا لم يمنعها بالمقابل من أن تبقى «راعية» له.
وكانت «فرانسواز دو بوفوار» والدة«سيمون دو بوفوار»، شريكة حياة سارتر لسنوات طويلة، والأديبة والكاتبة الشهيرة، قد قالت لابنتها عندما صدر لها كتابها الشهير «الجنس الثاني» الذي أصبح من المرجعيات الكلاسيكية في ميدانه:
«آمل أن لا تعتقدي أن والدتك من النوع الذي تدعين له». وذكّرتها أنه إذا كان الإنسان يستطيع أن يختار الكتاب الذي يحرره فإنه بالمقابل لا يختار أسرته.المادة الرئيسية التي ينهل منها مؤلفا هذا الكتاب مادتهما حول مواقف أهل الكتّاب والمبدعين حيال أبنائهم تتراوح من الرسائل الشخصية إلى المقالات الصحافية ومروراً بالشهادات وبالمذكرات واليوميات والمقابلات أحيانا مع المقرّبين من المبدعين، الأحياء منهم أو الذين فارقوا الحياة. وينقلان عن الكاتب المعاصر المعروف فيليب سوريل تأكيده: «إنه ـ والده ـ لم يشكل عائقاً أمام خياري». لكنه يؤكّد بالمقابل أن اسمه الأدبي يعود لوالدته.
ويروي سوريل، كما ينقل المؤلفان، أن الناشر «جان كيرول» اتصل ذات يوم هاتفيا بأسرة «جوايو»، الاسم الحقيقي لأهل الكتاب، كي يطلب منهم الإذن بنشر «نص أدبي» كتبه ابنهم البالغ من العمر آنذاك 19 سنة، أي كان «قاصرا» ولا بد من موافقة الأهل على النشر. رأت الأم أن «شرف العائلة» في مهب الريح، لكن تمّ الوصول إلى «اتفاق» بين الطرفين، بحيث يكون النشر باسم مستعار هو «فيليب سوريل» مع الإشارة أن تعبير «سوريل» يعني باللغة اللاتينية «اللامع». المستقبل لم يكذب ذلك.وكان هونوريه دوبرلزاك قد توصل إلى إقناع والده بأنه من يصبح «رجل قانون» وإنما «كاتباً شهيراً». قبل الأب أن «يستأجر» غرفة صغيرة له كي يمارس فيها «الكتابة»، لكن المشكلة بالنسبة للأب كانت ماذا سيقوله الآخرون. هكذا «اضطر» أن يخفي الأمر على الجميع وكانت إجابته الوحيدة هي أن «هونوريه» قد ذهب إلى العاصمة باريس. وكانت الإجابة نفسها حتى بالنسبة لزوجته، والدة ابنهما «الغائب».
ولم تتردد والدة الروائية الفرنسية الشهيرة مارغريت دوراس من القول لابنتها وهي في «قمة اليأس» حيال خبر توجهها لكتابة الرواية: «أنت بارعة بالأحرى في ميدان التجارة». وانتهى الأمر بوالد الكاتب «نيرفال» إلى «القطيعة» معه عندما أعلن له أنه سوف يمتهن الكتابة.
«جان دورميسون» هو أحد أشهر أدباء فرنسا، هذا إذا لم يكن أكثرهم شهرة، وهو عضو الأكاديمية الفرنسية التي يُطلق على أعضائها لقب «الخالدين». ويُنقل عنه أن والده، السفير، كان قد اكتشف ذات يوم أن ابنه لا يريد أن يصبح مثلما تقتضي «تقاليد العائلة» موظفا كبيرا في سلك الدولة. كانت خيبة أمل الأب كبيرة، بل ويؤكد جان دورميسون اليوم قوله: «لقد توفي ؟ والده- ولديه قناعة كاملة أنني سوف أصبح سوقياً».
وكاتب معاصر آخر هو «ميشيل تورنييه» يتذكّر أنه كان ينبغي عليه أن «يبرر» لوالدته زيارة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران له ذات يوم لتناول طعام الغداء معه. قالت له أمه: «لماذا يأتي رئيس الجمهورية لتناول الطعام في بيتك»؟ أجابها ابنها: «لأنني رجل شهير». لم تقتنع الأم أن ابنها التي ظلت دائما على قناعة كاملة أن ابنها كان تلميذا وطالبا فاشلا، ولم يحصل على أي «وظيفة» حقيقية. وأضافت: «لن تستطيع أبدا إقناعي بمثل هذا الأمر».
أما والدة الروائية «مارغريت دوراس» فقد أظهرت رد الفعل، ربما الأكثر مرارة، عندما قرأت رواية ابنتها«سدّ أمام المحيط الهادئ» منشورة. عندها قالت لابنتها: «ربما كان عليك أن تنتظري موتي».
الكتاب: تاريخ أهالي الكتّاب من بلزاك إلى مارغريت دوراس
تأليف: اتيين كرين، آن بوكيل
الناشر: فلاماريون باريس 2010
الصفحات: 318 صفحة
القطع: المتوسط
Une histoire des parents des écrivains
Etienne Kern, Anne Boquel
Flammarion - Paris 2010
318p.

