ميركا أمة فتية. قامت وتأسست على خلفية قاعدة التعدد، حيث ان قسما كبيرا من مواطنيها هم من المهاجرين الذين وفدوا إليها من مختلف قارات العالم.

و«غريل ماركوس» و«سولور ويرنر» الأستاذان في جامعة هارفارد يقدمان كتابا عن هذا التعدد وعن آلية تشكل الأمة الأميركية ثقافيا منذ البدايات حتى اليوم.وهذا تحت عنوان: «تاريخ أدبي جديد لأميركا».إن أميركا، كما يتم تقديمها، هي أيضاً أمة تكوّنت ثقافيا عبر مختلف مراحل تطورها التاريخي. وهو «تاريخ من الاكتشاف والاختراع مما وجد صداه في الخطاب وفي الآداب والشعر وفي الإنجازات التي تحققت بشكل لا سابق له»، كما يتم توصيفها.وإذا كانت هناك كتب عديدة تعرّض مؤلفوها للتاريخ الأميركي ولأحداثه الكبرى منذ عهد المؤسسين الأوائل حتى اليوم، فإن هذا الكتاب يبحث في التاريخ الأميركي وفي مسار تطوره «المتبدّل» و«المتغيّر» باستمرار.

بهذا المعنى تتم دراسة «تاريخ أدبي جديد لأميركا» عبر ما يزيد على 200 نص لأصوات أميركية عديدة منذ الحقبة التأسيسية حتى اليوم. ويتم اعتبار كل نصّ من هذه النصوص بمثابة «مدخل» من حيث النظر إلى العمل كقاموس.ومن خلال هذه النصوص بالتحديد يتم التأكيد على «تعددية» التعبيرات و«تعددية» أشكالها وبالتالي على «تفرّد» التجربة الأميركية بحد ذاتها.

ويحاول المساهمون في هذا العمل تحديد مختلف المفاهيم التي تنطوي عليها عبادة «صُنع في أميركا». ذلك ابتداء من مفهوم «العالم الجديد» الذي ظهر منذ القرن السادس عشر، أي بعد وصول كريستوف كولومب وبحّارته إلى القارة الأميركية عام 1492.

ووصولاً إلى المفاهيم «الأميركية» المعاصرة كما تبدو في الأدب والتلفزيون والرسوم المتحركة والخيال العلمي والعلوم والفلسفة، الخ.ويتم التأكيد في التقديم لهذا العمل على أن التعددية الأميركية هي سمة أساسية في الثقافة وفي الهوية الوطنية للبلاد منذ البدايات. هكذا تواجد فيها منذ نهايات القرن السادس عشر «مؤسسات» ثقافية اسبانية وانجليزية وفرنسية حسب توزع جغرافي تجمّع اللون الاسباني حسبه في منطقة خليج المكسيك والانجليزي في مناطق عديدة من شواطئ الأطلسي والفرنسي في سان لوران خاصة. وكانت المنافسة والصراع على النفوذ هي القاعدة في العلاقة بين مختلف هذه المجموعات لتسود في النهاية، وعبر القرون، الانجليزية. ومن المحطات الرئيسية التي يتم التأكيد على أنها كانت بمثابة علامات فارقة و«تأسيسية» في التاريخ الأدبي والثقافي الأميركي عامة هناك أعمال تعود إلى زمن مضى مثل أشعار «ايميلي اليزابيت ديكنسون» التي عاشت في القرن التاسع عشر. إنها عاشت منزوية على نفسها لا تخرج تقريبا من غرفتها بل وكانت أغلب صداقاتها عن طريقة المراسلة. ثم إنها لم تنشر سوى النزر اليسير من أشعارها أثناء حياتها، لكنها أصبحت أحد رموز الشعر الأميركي بعد وفاتها، حيث تمّ نشر ديوانها الأول عام 1890، أي بعد وفاتها بأربع سنوات عام 1886.

ويتم الربط بين أشعار «ايميلي اليزابيت ديكنسون» وبين السياق التاريخي الأميركي الذي عاشت فيه، أي في الفترة التي سبقت وعاصرت وتلت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب. هكذا جاءت أشعارها معبرة عن الفترة التي كانت تتصارع فيها تيارات إيديولوجية وسياسية قوية. ذلك خاصة داخل البورجوازية العليا والمتوسطة.

وكان الجميع تقريبا يعانون آنذاك الفقر، وبالتالي كان الوضع الأسري الميسور قليلاً للشاعرة قد سمح لها بتلقي قدر هام من التعليم وعكس أدبها توجهات النخبة القريبة من دوائر القرار. كما جاءت أشعارها ذات طابع سياسي واضح.

ومدخل آخر في الكتاب يخص رواية تعود أيضا إلى القرن التاسع عشر لمؤلفها، ناتانيل هاوتورن، تحت عنوان: «الرسالة القرمزية» والتي تم اعتبارها إحدى الروايات الأولى في الأدب الأميركي، وأنها رواية تاريخية من زوايا مختلفة. وهي تشكل قبل كل شيء نقدا شديدا للمجتمع الأميركي في بدايات القرن السابع عشر، حيث تدور أحداث الرواية. وتتمثل الرسالة الأساسية في هذه الرواية بالتأكيد على أن ذلك المجتمع كان يشكل كابحا كبيرا للحريات الفردية.

بهذا المعنى كان ذلك العمل الأدبي بمثابة مساهمة في التأسيس لإحدى المعارك التي سيخوضها الأميركيون لاحقا لصناعة تاريخهم.

ومن الواضح أن مداخل هذا الكتاب لا تقتصر على الأدب بالمعنى الضيّق للكلمة، لكنها تطال أيضا أعمالا فنية وموسيقية متنوعة. هكذا يتم التأكيد في إحدى المساهمات على أن «شارل ويلسون ويل» هو بمثابة المؤسس لأول متحف أميركي حقيقي كان قد فتح أبوابه رسميا بتاريخ 18 يوليو من عام 1786. وهو من هذا الموقع أحد المساهمين في بناء التاريخ الثقافي الأميركي.

الكتاب: تاريخ أدبي جديد لأميركا

تأليف: غريل ماركوس، سولور ويرنر وآخرون

الناشر: مطبوعات جامعة هارفارد 2009

الصفحات: 1128 صفحة

القطع: الصغير

A new literary history of america

Greil Marcus, Sollors Werner and

Harvard University Press 2009

1128p.