يتناول مؤلف الكتاب، السيد أبو داود، قضايا كثيرة عن الحركة الإسلامية المعاصرة، في أبحاثه، منطلقاً من أساس خبرته. ويرى أن ممارسة النقد الذاتي للحركة الإسلامية، ثقافة وتنظيماً وسياسة، بات واجباً وضرورياً وشديد الأهمية لهذه الحركة، بعد أن تربت طويلاً على إهمال النقد الذاتي وعلى الأحادية وعلى السمع والطاعة وعدم المناقشة والحوار.

ويحاول المؤلف أن يؤسس لثقافة النقد الذاتي الإسلامي، مستهدفاً دفع فصائل الحركة الإسلامية لأن تعيد النظر في ما هو قائم لديها من أفكار وممارسات ثبت عدم جدواها.

كما يؤكد أبو داود أن ما لدى الحركة الإسلامية إنما هي نظم وممارسات وأفكار ليست معصومة، فهناك فرق بين الإسلام المعصوم واجتهادات أبناء الحركة السياسية في الثقافة والفكر والسياسة والإعلام والتربية والاقتصاد، وما يزيد الحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من برامج الحركة الإسلامي، أن العالم كله يموج بتغيرات متتالية، ثم إن هناك الكثير من الأخطاء التي وقعت فيها الحركة وينبغي أن تصححها وهذا التصحيح يلزمه إعادة صياغة الرؤية الفكرية للحركة التي يتأسس عليها العمل والسلوك.

ويناقش المؤلف خوف الحركة الإسلامية من النقد الذاتي وخشيتها من الخلافات الفكرية، محاولا أن يتلمس بعض العذر لفصائل الحركة الإسلامية التي لديها حساسية تجاه مصطلح المراجعات، حيث بين أن هذه الكلمة وقعت من نفوس أبناء هذه الفصائل موقعًا سيئًا.

وتحدث بإسهاب عن كل هذه الأسباب، مبيناً أن الأسباب النفسية تجعل كثيرًا من الإسلاميين يعتبرون الاعتراف بالخطأ سبة ومنقصة تجلب العار والفضيحة، ويعتبرونه إهانة للذات بين أبناء الوطن وتياراته الثقافية والفكرية. وهكذا أدى هذا المدخل النفسي الخاطئ إلى خطأ آخر كبير ومعقد، وهو النفاق الاجتماعي.

ويتطرق أبو داود إلى التنظيمات وأثرها على العمل الإسلامي، فيرى أن التنظيم، هو هذا البناء المؤسسي الدقيق والمنضبط، والقائم على العديد من التكوينات المؤسسية الفرعية، والذي يقوم على تقسيم العمل.

وهو في النهاية شكل مؤسسي إداري، مثل غيره من المؤسسات، ولكنه يقوم على درجة عالية من الالتزام والانضباط، على أساس الالتزام الديني والإيماني. ثم يناقش عملية التنظيم ويرى أن علينا أن نرجع لوظيفة التنظيم، فليس المهم بقاؤه أو عدم بقائه، بل المهم سبب وجوده أساساً، ثم مدى قدرة التنظيم على تحقيق هذا السبب الأساس لوجوده.

كما يرى أن الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين التنظيم الإسلامي الأكبر عدداً والأوسع شهرة أقام تنظيماً يحمل فكرة ورسالة، وقد رأى منذ البداية أن على التنظيم نشر الفكرة وتطبيقها، وهنا يظهر لنا سبب وجود التنظيم، وهو في الواقع ليس نشر الفكرة ولكن تطبيقها.

ويشدد المؤلف على أنه، ولكي يتم إيجاد درجة عالية من الوعي لدى جماهير الأمة، فلابد من مخاطبة الناس عبر مختلف الوسائل، وخاصة وسائل الإعلام والتعليم والثقافة، وهذا معناه الوصول للرأي العام أينما كان، ومخاطبته وقيادته وبث الأشواق الجهادية والحضارية فيه بمضامين إسلامية.

ويوضح المؤلف أن ما فعلته الجماعة الإسلامية فرض على المهتمين بجانب النقد الذاتي في الحركة الإسلامية المعاصرة، أن يدرسوا مبادرة وقف العنف التي أطلقتها الجماعة عام 1997، فهذه المبادرة، وما تبعها من كتب المراجعات التي أصدرتها الجماعة، يمثلان محاولة جادة مارستها الجماعة الإسلامية لنقد أصولها الفكرية التي صاغت على أساسها منهجها في التعامل مع الدولة.

ويبين الكاتب أن فصائل العمل الإسلامي لديها حساسية شديدة من أن يقترب أحد لها بالنقد، سواء في الممارسات السياسية، أو في الثوابت والتوجهات الفكرية. لكن قادة الجماعة الإسلامية.

وبعد مرور أكثر من 16 عاماً في السجون، وبعد قراءة وبحث وتمحيص وتوفر على المراجع الفقهية المعتبرة، ساعدهم عليها الوقت الممتد والتفرغ الكامل داخل السجون، كان لديهم الشجاعة أن يعلنوا على الملأ أنهم ارتكبوا أخطاء كبيرة، وأنهم اجتهدوا فأخطؤوا، فأصدروا مشروعاً فكرياً وثقافياً وشرعياً، في أكثر من ثلاثين كتاباً، يؤسسون فيه لرؤية أكثر عمقاً ووسطية وتوازناً، للتصالح مع مجتمعهم.

الكتاب: الإسلاميون والمستقبل رؤية في تخطي الحواجز

تأليف: السيد أبو داود

الناشر: مكتبة جزيرة الورد القاهرة 2010

الصفحات: 336 صفحة

القطع: الكبير

محمد سيد بركة