يبدأ الباحث، عبد اللطيف الهرماسي، فصول كتابه، مؤكدا على انه بلغت ظاهرة التكفيريين أوجها في مستهل القرن الواحد والعشرين.
وقد رفد بروزها المدوي، التًوتر المتصاعد في النظام الدولي، ممثلا بأميركا والغرب وبين القوى المنتسبة إلى الإسلام الذي افرز حالة تأجج وصراع سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، حتى داخل المجتمعات الإسلامية نفسها، وعكس بشكل واضح ما تعانيه هذه المجتمعات من احتقان مذهبي وطائفي. ويوزع الهرماسي بحثه على مقدمة وفصول خمسة .ففي الفصل الأول يحدد المنطلقات والمفاهيم الأساسية لمعنى «المقدس الديني ورهانات الصراع حول الحقيقة»، وبلوغ هذه الأخيرة حالة من الشدة والتوتر داخل الديانات السماوية . فهي برأيه « التي تنتج ظاهرة التكفير كعنف أو عنف مضاد رمزي، يهيئ للعنف المادي ويشرع له، ويتجه نحو كل من يرفض الحقيقة المطلقة أو تأويل الجماعة المعني للنص المقدس».
وفي الفصل الثاني يتناول المؤلف مسألة التكفير في الموروث الإسلامي بدءا من مرحلة نزول الوحي، مرورا بالفترة التي مثلها الخلفاء الراشدون، حيث تداخلت في هذه المرحلة «دوافع إرساء هيمنة الحقيقة الدينية الجديدة مع إستراتيجية الهيمنة السياسية والاقتصادية، على الأقطار والأمم الأخرى.
وامتزجت فيها معاني الجهاد الخالص في سبيل الله، بالسعي إلى الغنيمة، وتأكيد القوة السياسية للمركز الجديد. وتعددت خلال هذه المسيرة استخدامات التفكير ووظائفه».
ويخلص المؤلف هنا إلى أن رهانات التكفير في المرحلة الأولى لظهور الإسلام جاءت انطلاقا من الاعتراف بتفوق حقيقة القرآن وهيمنتها على ما سبقها من الرسالات، «وبالتالي تسفيه خصوم الرسالة المحمدية وإدانتهم، وتخيير من لا يقبل الإسلام بين وضعي الذمة والقتال».
ويبين المؤلف انه في مرحلة لاحقة « أصبح التكفير عبارة عن إستراتيجية لإسكات الخصوم الفكريين والسياسيين داخل الساحة الإسلامية «. وبعد بروز مسائل خلافية حول قضايا عقائدية، مثل الجبر والاختيار ومسألة الإمامة الطاعة، وجواز الخروج عن الإمام من عدمه، وإلى حكم مرتكب الكبيرة .
فهذه النزاعات دفعت الفرق الإسلامية إلى التراشق بالتهم وتكفير بعضها البعض. والاتهام بالكفر والزندقة لم يكن خاصة المسلمين أنفسهم، فالكنيسة المسيحية الغربية «مارست الإقصاء وفتشت عن الضمائر وعذًبت وأعدمت بتهم الكفر والزندقة».
واحتكرت الكنيسة- كما يورد الباحث- السلطة، ولم ينازع صلاحياتها إلا بعض الملوك والأباطرة الذين كانوا يدعون صفة القداسة والتنزيه. وأما الإسلام فقد امتنع عنه وجود تنظيم احتكاري بيروقراطي، على غرار الكنيسة وبالتالي فان «الحق الشرعي في تفسير النص المقدس وتأويله وفي ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقي موزعا بين المسلمين..».
وفي الفصل الثالث من الكتاب، يبدي الباحث» ملاحظات وفرضيات حول الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة»، فيتناول إرهاصات الحداثة وآلية انتشارها وتوسعها واتجاهاتها الكبرى وهو يرى في هذا الشأن، أنها مثلت قطيعة بالنسبة إلى ما سبقها، كونها ارتقت بالأنشطة الدنيوية، وشرعنت الفعل البشري وتقدمت بالدنيوي والزمني على مكتسبات الروح ورهاناتها. ويعيب الكاتب على الحداثة غلوها في عالم المادة وتجاهلها حاجات الروح.
غير انه لا يلغي ما قدمته للإنسان من مكاسب هائلة، وهذا ما لم يفطن إليه الفكر التكفيري المعاصر الذي» يصر على المماثلة بين الموروث من الفقه والشريعة من جهة والقانون الإلهي من جهة ثانية، وبين نظام الخلافة من جهة والحكم الإلهي من جهة ثانية. وكذلك ادعاؤهم أن التشريع المدني تحد للهن وأن فكرة السيادة الشعبية استنقاص من سيادة الله».
ويتساءل الهرماسي عن جدوى المعاندة والصد في ظل اجتياحات الحداثة لكل ما هو قائم على هذه البسيطة. فالوقائع تكشف عن ما أحدثته من تغييرات طالت مستويات وبنى حياتية وفكرية واجتماعية . ويرد بالتفصيل: «وبالفعل فمنذ القرن التاسع عشر بدأ اختراق الحداثة للنظام الاجتماعي التقليدي، واجبر العالم الإسلامي على إعادة النظر، بل التخلي عن الكثير من الأمور العتيقة».
ويتابع المؤلف في الفصل الرابع رصد موضوع «قضايا الجهاد والردة في الفكر التكفيري المعاصر «. ويتخذ من خطاب السلفية المقاتلة نموذجا. فتلك هي التي تتبنى تيارا إيديولوجيا مناهضا للنظم الاجتماعية وللسلطات السياسية والثقافية السائدة والنظام الدولي.
ويتوسع الهرماسي في قراءة منطلقات الجماعات التكفيرية، محددا مشروعها الإيماني المتجسد في تقسيم البشرية على أساس ديني، لتعطي لمعنى الكفر والشرط تعريفا ضيقا «يفضي إلى إخراج قسم كبير من المسلمين من الإسلام».
ويعرض هنا لفكر الجهاديين المتزمت والمغلق على نفسه، والذي يتخذ من بعض الآيات القرآنية توطئة لتبرير عصبيتهم، داعيا إلى قراءة جديدة لمفهوم الردة التي شغلت الإسلام في بداياته، حيث «كانت الجماعة حديثة التشكل وفي حاجة للحفاظ على تماسكها، والدولة الإسلامية حديثة التكوين في حاجة لتثبيت أساسها» .
ويسأل الكاتب في الفصل الخامس والأخير:
هل هناك إمكانية للخروج من مأزق العلاقة الصدامية بين الإسلام والحداثة . ؟ والجواب برأيه، ليس مستحيلا إذا استطاع العالم الإسلامي توظيف رؤية جدلية، تمكن من الاستفادة من تجارب التاريخ ودروسه، تمهيدا للانتقال « من مرحلة الانفعال إلى مرحلة الفعل والبناء الهادئ، والى اجتراح طريق أو طرق إسلامية خصوصية في استيعاب منظومة الحداثة».
الكتاب: ظاهرة التكفير في المجتمع الإسلامي من منظور العلوم الاجتماعية للأديان
تأليف: عبد اللطيف الهرماسي
الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات بيروت 2010
الصفحات: 76 صفحة
القطع: الكبير
بيار شلهوب
