يوضح مؤلف الكتاب، محمد محمود عبد الرازق، أنه بعد ظهور «المطبعة»، وعلى الرغم من القيود التقليدية على تحركات المرأة، ظهرت قاصات مبدعات. ومنهن في انجلترا افرابن (1640-1689)، وهي كاتبة أول قصة انجليزية حول اضطهاد العبيد).

والكاتبة اليزاها يوود (1693-1756) حتى وان اهتمت بقص الفضائح،ولكن هذه النماذج مهدت للأدب الواقعي في ما بعد. ثم أتت راد كليف 1764- 1823، وقد اتجهت إلى كتابة قصص الرعب والتحليل النفسي.وبينما ظهر في القرن التاسع عشر الميلادي، أسماء مهمة في فن القص، منها: الأخوات برونتى، وهن: شارلوت (1816- 1855) التي كتبت رواية «جين اير»، وشقيقتها اميلى (1818-1848)، التي كتبت رواية «مرتفعات وذرينغ» ثم الثالثة آن (1820-1849) صاحبة «اغينس غراى». كما تقف «فرجينيا وولف(1882-1941) مع قمة من كتب الرواية والقصة من جيلها، وتعد من التراث الإنساني في هذا الفن.

وما إن عرفت القصة في العالم العربي، وان بدت فيها المبالغة والوعظ والمفاجأة غير المنطقية، سواء في كتابات رجال أو نساء، حتى قدمت مي زيادة (1886-1941)، صورها القصصية ومقالتها القصصية بنجاح.

وسرعان ما برزت سهير القلماوي بكتابها «أحاديث جدتي» عام1935، ثم عائشة عبد الرحمن بكتابها «الريف المصري» في عام1936م. وتوالت الأسماء العربية هنا وهناك.

وكذلك «ديزى الأمير» التي تبنتها دار «الآداب» البيروتية، حيث نشرت لها مجموعة قصصها الأولى، وكان الموضوع ثريا وجديدا: الاغتراب، غربة الأجنبي بعيدا عن وطنه وغربة الوطني داخل وطنه. فكانت تتسم بالغموض، والاحتياج إلى جهد في القراءة، ولم تنل من الحركة النقدية، المتابعة الواجبة.

وكانت تجربة ليلى العثمان التي تتمتع بجرأة لا ابتذال فيها، وصراحة لا حدود لها، وبدت صاحبة رسالة واضحة الهدف. وان كانت مولعة باستخدام المفردات الشعبية واللهجة العامية، ما قد يصيب القارئ العربي ببعض الحيرة، وهو ما دفع الكاتب، للقول بضرورة شرح بعض المفردات الشعبية في قصصها.

أما صاحبة «أمطار تموز»، الكاتبة حنان سعيد، فاعتبرها المؤلف من كتاب المنمنمات، لاعتنائها بالجزئيات الدقيقة للوصول إلى المعنى أو المغزى الكلي، كما أنها لا تعنى بالحكاية، بل تبدو كلماتها وجملها، سريعة ورقيقة ومحددة، معتمدة على التناقض بين الشخصيات، وتصوير الفروق بين الرجل والمرأة.

وفي ما تبدو عزة بدر في قصص «مقام الخوف»، وكأنها زعيمة نسائية، فهي لا تتحدث عن حقوق المرأة وتنادي بتعديل قوانين الأحوال الشخصية، أو تنادي بأدب نسائي. بل تكتب بنظرة إنسانية شاملة، وجودية واجتماعية، وتوضح أننا نعيش في مجتمع لا يسعد فيه إلا الكلاب والقطط!

ويعتبر المؤلف أن الصوت الزاعق غير الفني الذي تتبناه القاصة عايدة مطرجي إدريس، يضر بالقصة، وان كان دافعه حسن النوايا والقيم الوطنية الهامة.فالشعور الحماسي قد تفرضه الفكرة (فكرة القصة) ولكن المعالجة الفنية أمر آخر.

وقد تلجأ الكاتبة إلى توظيف المشاعر الداخلية للشخصية، وتصبح سمة فنية للقصة والقاصة مع، كما في أعمال وفيه خيري.وغالبا ما تكون شخصيات القاصة خيرة ورقيقة ومسالمة. وقد بدت ملامح مختلفة تواجه المرأة القاصة، غير عوائق العادات والتقاليد، وسطوة الرجال وقسوتهم أحيانا، وغير تلك الملامح التي شاعت في قصص كتاب الخمسينيات من قبل.

وجاء جيل يكتب عن أثر الإعلام وعلاقته الغامضة المباشرة، سواء في تشكيل المفاهيم أو إبراز الخلافات في البيوت العربية. وهو ما كان مدخل الكاتب مع كتابات نادية الكيلاني.

كما بدت ملامح جديدة أخرى عند القاصة عزة عدلي، حيث كان المجاز ملمحا أسلوبيا في قصصها، بينما المجاز يوظف في الشعر بالدرجة الأولى، لذا كان الرمز بالصورة ملمحا آخر في قصصها. وقد وجد الكاتب في هذه الملامح مدخلا للغموض، وهو ما يجعل القصة صعبة المنال حتى اقترابها من النهاية.

واتسمت أعمال القاصة حورية البدري، بأنها مزجت بين ثلاثة محاور في قصصها، وهي: الأسرة والعمل والوطن. وكثيرا ما يكون موضوع القصة متشابكا من خلال تلك الخطوط الأساسية عندها.

ويغلب فيها موضوعات «التلوث» وتوظفه بالمعنى العلمي والأخلاقي. وقد قدمت سهام بيومي، على العكس من نماذج أخرى، إذ قد نشعر بالغموض في أعمالها القصصية، بعد قراءة القصة وليس أثناءها. يرجع ذلك إلى كثافة الحكي والصورة الإنسانية المعاشة، بينما تخفي تلك الصورة، أبعادا أخرى، جديدة وهامة، وغامضة أو يلزم التعايش معها لتفسيرها.

ويوصف المؤلف الموضوعة واللغة لدى عدد آخر من الكاتبات، حيث ينتهي فصل الختام فيه، ويقول المؤلف في هذا السياق: «لا يميل هذا البحث إلى التفرقة بين الأدب بسبب الجنس، ومن ثم فالباحث لا يؤمن بمقولة الأدب النسائي.. لأن مقومات الإبداع واحدة».

ثم أشار إلى أن بعض الرجال أجادوا في التعبير عن النساء، وفى حالات وشخصيات نسائية نادرة، وتفوقوا عن الكثير من النساء الكاتبات.. مثل موبيسان.. وأيضا الشاعر نزار القباني في تناوله لمشاعر المرأة عموما.. وكما عبر إحسان عبد القدوس عن مشاعر الفتاة المراهقة، أحسن تعبير».

الكتاب: القصة.. امرأة

تأليف: محمد محمود عبد الرازق

الناشر: هيئة قصور الثقافة 2010

الصفحات: 264 صفحة

القطع: المتوسط

السيد نجم