يتناول المؤلف، زين الدين، في بداية الكتاب، رواية «العصفور الأول» للكاتبة العمانية أزهار أحمد، إذ تدور هواجس الرواية حول سؤال الكتابة والذي يقدم من خلال شخصية مقرن النوري، المتطلع إلى تحقيق ذاته عبر كتابة تنير العالم، ولتحقيق هذا الحلم، يخوض مساراً عسيراً، فيتخلى عن مقتنياته ووظيفته.
ويدشن رحلة حول الأرض، بدءًا من الهند لعيش التجربة واكتناز الخبرات الضرورية للكتابة، لكن ما يطالعه من مشاهد الفقر والبؤس في المدن الهندية يشكل صدمة له تعطل قلمه عن الكتابة.
كذلك فإن مقرن يمر في الفترة نفسها بسلسلة من الاختبارات الصعبة، حيث يتشرد ويفقد الذاكرة، وتجرى له عملية جراحية، لكن المفارقة التي تنتهي بها الرواية هي انه عندما يستيقظ من غيبوبته في المستشفى، تكون قرب سريره كومة من الأوراق تحمل اسم رواية «العصفور الأول»، ما يشي أن رحلة الألم التي باشرها تمخضت عن كتابة حفظت معالم الرحلة ببعديها: الخارجي في المكان، والداخلي في شخصية الراوي.
وأما في رواية «الحفيدة الأميركية» للصحافية والكاتبة العراقية أنعام كجه جي، فإننا نعثر على سؤال الهوية من خلال رصد حياة زينة بهنام، بطلة الرواية التي تجمع بين طفولة عراقية وشباب أميركي.
ففي الخامسة عشرة تهرب البطلة، والمتحدرة من أسرة آشورية، مع أسرتها، تهرب من بطش النظام العراقي السابق، وفي الثلاثين من عمرها تعود إليه كمترجمة تعمل مع الجيش الأميركي.
وخلال هذه المهمة الصعبة تعيش اختباراً إنسانياً فريداً، يبرز فيه سؤال الهوية بقوة لكونها ابنة العراق وعدوته في آن واحد، في ظل تلك الظروف التي وضعت نفسها فيها. وهذه المعادلة الصعبة تجد التعبير عنها من خلال العلاقة بين الجدة والحفيدة التي ترفض عمل حفيدتها مع الأميركان، ولا تقبل بكل مبرراتها ولا تلتمس لها أسباباً تخفيفية.
ولذلك فهي دائماً تروي على مسامعها حكايات من الماضي عن جدها العقيد ومواقفه الوطنية، علها تعيدها إلى جادة الصواب، ما يصيب بطلة الرواية بشجن عميق، الأمر الذي يجعلها في النهاية تقدم على وضع بذلتها العسكرية في كيس، فترميها في برميل المطبخ، ليؤشر ذلك إلى تحررها من كل ما يعوق التواصل مع موطنها الأصلي، ولتدل على أن التصالح مع الذات والهوية الأصلية والوطن القديم، لا يتحقق إلا بعد العودة إلى الوطن.
ولذلك فإنه من خلال العلاقات الروائية التي تربط بين مجموعة من الثنائيات المتضادة، تسعى انعام كجه للقول باستحالة التعايش بين المحتل ومن تحتل أرضه، واستحالة التصالح بين الوطني والمتعامل، واستحالة الجمع بين هويتين متقاتلتين. من هنا، يكون الشجن محصلة طبيعية لهذه الاستحالات، ويكون هو بداية الرواية والنهاية.
ويعرج الكاتب في الفصول الأخيرة لكتابه على تجربة الروائية اللبنانية مي منسي، وخاصة في روايتها «المشهد الأخير» التي تتناول المسرح ومصائره الفاجعة، من خلال سرد حياة بعض أبناء المسرح الذين أصابتهم لعنة الحياة، وليبدو أحد فروع الأدب، موضوعاً لفرع آخر.
فشريف والذي هو أحد أبطال الرواية، ممثل مسرحي يعاني انحرافات نفسية وتسكنه الشخصيات التي يلعب أدوارها، فيختلط فيه المسرح والحياة أو الشخصية والدور، ويعيش حالاً من الفصام الدائم، وخاصة أن الحياة لن توفر له فرصة للتعبير عن مشاعره لمريام زميلته في التمثيل، إلا من خلال دور العاشق على خشبة المسرح.
وكذا منذر، الآتي من قرية شمالية إلى المدينة، يحمل ذاكرة ملأى بحكايات جدته وعالمها العابق بمخزون الأرض والطيبة. وهكذا نجده مدفوعاً بذاكرته ورغبته، يختار المسرح تنفيساً عن ذاكرة محتقنة بالصور والمفارقات، وتعويضاً عن واقع قاس شكل صمت الأب أحد ملامحه، وهنا يقوم منذر ب«قتل الأب» بحسب التعبير الفرويدي، ولكن بطريقة ايجابية، فهو لا يعمل على تجاوز الأب، بل يجد مخرجا للصمت الذي اعتراه طويلاً.
وفي حين يتم قتل الأب في حكاية منذر بالمعنى النفسي، فإن قتل الأم يحصل بالمعنى الجسدي في حكاية نديم الذي أدركته لعنة الحياة صغيراً. وهو مثقل بذاكرة مكتنزة بالمآسي، يهرب منها إلى صحراء ذاته، وإلى التشرد.
الكتاب: شهرزاد والكلام المباح- قراءات في الرواية النسوية
تأليف: سلمان زين الدين
الناشر: الدار العربية للعلوم 2010
الصفحات: 204 صفحات
القطع: المتوسط
محمد تركي الربيعو