يحتشد المشهد الفني العربي بالمهرجانات المسرحية خلال هذه الأشهر ، فهناك مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الذي نظم أخيرا.

ومن ثم مهرجان الجزائر الدولي للمسرح في نسخته الثانية،وأيضاً مهرجان المسرح الخليجي في العاصمة القطرية. و مهرجانات أخرى ، لعل أهمها «مهرجان عمان المسرحي» و«مهرجان دمشق المسرحي». البعض من هذه المهرجانات قديم، لكن أغلبها حديث؛ ومثل ما هي متقاربة في مواقيتها، يبدو أن معظمها يتشابه في أمور عديدة. يفيد التقرير الثاني للتنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي «لسنة 2008»، أن غالبية وزارات الثقافة في البلدان العربية تتحايل بإقامة مثل هذه المهرجانات لتغطي على تجاهلها الإنتاج المسرحي «المستمر»؛ فهي تمسك يدها عن دعم المسرح، في كافة مستوياته، طيلة السنة، وتكتفي بالانفاق على الأيام المعدودة للمهرجانات، لذا لا تظهر الاعمال المسرحية العربية، في معظمها، إلا في اطار مثل هذه التظاهرات السنوية لتختفي بعدها مباشرة.

وحول هذه القضية، يقول الناقد المصري صبري حافظ: «بات المهرجان يتحول إلى البديل عن الحركة المسرحية. وإلى مولد يقام وينفض، حتى يقال إن عندنا مسرح، ثم لا يسمع وقع لعمل مسرحي حتى المهرجان التالي...).«الثابت أن المهرجانات لا تصنع مسرحاً». هذا ما يقوله المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد. ويضيف: «تمثل المهرجانات حصاداً سنوياً يعكس غنى الموسم المسرحي في أي بلد من البلدان، لكن اغلب مهرجاناتنا لا تعمل بهذه القاعدة المهمة...».وأما الناقد السوداني، السر السيد، فيرى ان العروض التي تقدم في المهرجانات، لا تعبر عن النبض الحقيقي للحراك المسرحي في بلدانها، ويقول: «هي مصنوعة لعيون لجان التحكيم...».

تشرذم وعزلة

وفي ما يتعلق بحال التزاحم على مواعيد محددة يقول صبري حافظ: «إن ذلك ما هو إلا عرض للمرض الاصلي، والذي يتمثل في غياب العقل النقدي وفقدان الحرية، فلا يدور حوار حقيقي حول أي موعد من المواعيد الأنسب والأجدى للحركة المسرحية، وإنما تحدد المواعيد لا لتناسب أي أجندة مسرحية، وإنما لتناسب أوقات ومواعيد المسؤولين. وهذ يتماشى مع الخلط والتخليط في مجتمعات تعاني من الاستبداد وغياب العقل...».

ويشير حافظ إلى أن توقيتات المهرجانات كانت تأخذ في حسابها، في الماضي، ما يدور في بلدان أخرى من الوطن العربي في نوع من الحوار أو التكامل بينها، لكن هذا التقليد انتهى قبل أكثر من عقدين، في محاولة واضحة لتأكيد التفتت والتشرذم والعزلة على المستوى القطري. وأصبح هناك من يعمل في الوطن العربي نفسه على تأكيد ذلك التفتت والتشظي. لذلك فهو يستغرب هذا الخلط والتخليط في التخطيط والتنفيذ على السواء.

وبالنسبة للكاتب المسرحي السعودي عباس الحايك، فان غياب التنسيق بين هذه المهرجانات أثر سلباً علي نوعية العروض المسرحية العربية، فالجهات المحلية التي تخطط للمشاركات الخارجية تضطر لتنويع العروض المشاركة على أساس جهوي، وليس على أساس قيمتها الفنية.

ويتابع: في السعودية ،مثلا- تضطر جمعية الثقافة والفنون لتوزيع المشاركات ضمن معيار جغرافي، بحيث يمثل كل فرع من فروع الجمعية المملكة في مهرجان، دون أن يخضع الاختيار إلى قيمة العرض وإبداعه، وهذا ما يؤثر على صورة المسرح السعودي كمثال- في الخارج...».

عصبية

ويرى السر السيد ان الوقت قد حان لإعادة النظر في كل ما يخص هذه المهرجانات وليس مواعيدها فقط. فهي، مجتمعة، بلا أثر فعلي على مجتمعاتها، وإن كانت هناك مهرجانات مسرحية ذائعة ومشهورة، فليس لأنها قوية ومؤثرة فعلاً، إنما لأنها حظيت بتغطية اعلامية جيدة ولا أكثر...».

ويشير السيد إلى ان مهرجانات المسرح العربي، وبرغم توزعها جغرافياً بين قرطاج ودمشق والقاهرة وسواها من عواصم، إلا انها تقف في منطقة واحدة من حيث نوعية ما يُقدم فيها، ومن حيث ظروف تخطيطها وتقاليدها.

ومع ان بعضها يطلق شعارات ويحدد تصنيفاً للعروض التي يقدمها، إلا انها تبقي شعارات للاستهلاك الاعلامي، فما تشاهده من عروض مسرحية في مهرجان القاهرة للمسرح» التجريبي» هو ما شاهدته من قبل في دمشق المسرحي؛ فهذه المهرجانات تتشابه حتى في رؤى ملتقياتها الفكرية والنقدية وفي قائمة المكرمين وضيوف الشرف...إلخ.

ويضيف: «ومع اننا نفترض ان تكون المهرجانات مكانا للتعارف والتحاور، إلا أن ما يحصل هو ان الاخوة العرب في غالبيتهم ينطوون على بعضهم، ولا يشاركون في الندوات الفكرية ولا يشاهدون إلا عروض بلدانهم، في شكل غريب من العصبية، يجعلك تتساءل لماذا مشقة السفر والحضور اذن؟».

ويذهب صبري حافظ للقول: «إن المهرجانات العربية في أغلبها هي مهرجانات مضادة لفكرة المهرجان المسرحي الأساسية، ولا تسعي لخلق حوار عقلي مسرحي لتطوير المسرح العربي، وإنما لقتل فكرة المسرح الذي لا يزدهر حقيقة إلا في مناخ من الجدل العقلي والنقد الخلاق والحرية».

التخطيط

ويتمثل أعمق مشاكل المهرجانات المسرحية العربية، في منظور حافظ، في افتقارها للتخطيط السليم، حيث يقول: اكتب منذ أكثر من عشرين عاما عن ضرورة أن يتم التخطيط للمهرجانات بشكل عملي ومسرحي دقيق، وأن يعين كل مهرجان مراسلين له في شتى أنحاء العالم يزودونه بالتقارير، ويشاركون في طرح ترشيحات تزودها رؤية مسرحية موضوعية تكفل للمهرجان النجاح وتحقق الفائدة المرجوة منه.

ولكن لا أحد يسمع، ناهيك عن أن يستجيب!». ويتابع حافظ حديثه: «التخطيط السليم ـ كما هو الحال في مهرجان آفينيون بفرنسا الذي أتابعه منذ خمسة عشر عاما ـ ينبع من الرغبة في أن يساهم المهرجان في تفعيل الحركة المسرحية، وإرهاف قدراتها على النمو والتطور والحوار الخلاق مع منجزات المسرح في شتى بقاع العالم...».

ويؤكد عبد الكريم برشيد ان المهرجان هو سوق، وفي هذه السوق «دكاكين» ينبغي ان يكون بها إنتاج وان يكون الإنتاج وافراً. ويردف: «اما اذا كان المهرجان مجرد واجهة للاستعراض ولإخفاء خواء المسرح، فذلك ما لا يمكن أن يخدم الثقافة العربية...».

حلول

ولتجاوز هذه الاشكاليات يقول برشيد: «هناك ضرورة لايجاد شبكة للمهرجانات العربية، يكون من مهامها التنسيق بينها وان تعمل على إيجاد أجندة سنوية يُراعى فيها الجدة والتنوع والمسؤولية الإبداعية، وذلك حتى لا تصبح هذه المهرجانات مجرد مناسبات لتلاقٍ لا يضيف شيئاً...».

والمطلوب حالياً في ما يقول برشيد أن يُجدد المسرح العربي وأن تضخ في عروقه دماء جديدة، وأن ينفتح أمام الشباب ليعبّر عن رؤيته وأفكاره، وأن تتوافر الوسائل للحوار بين الأجيال المسرحيّة، واما التنسيق فينبغي ان يشمل جميع المجالات، وان يحصل بصفة مستمرة، ولا بد للتنسيق من ان يمد جسوراً بين التجارب المحليّة والجهوية والتي تفتقر إلى الفضاءات المهرجانيّة الواسعة التي توفر لها الإشعاع اللازم.

ويتابع: «من الضروري أن لا يقتصر التنسيق على البرمجة فقط، ولكن يتجاوز ذلك إلي طرح التجارب العربية المختلفة ووضعها في إطار النقاش والمفاكرة، وأن يكون هناك أصراراً على متابعة الأعمال الجادة لكي تصل بكلمتها إلى الجمهور في الجغرافية العربية الواسعة، بعيداً عن الحسابات الضيقة .

وعن خلفيات وزارات الثقافة في العالم العربي التي تقوم في بعض الأحيان علي حسابات ظرفية وعلى «الزبونية»، الشيء الذي يجعلنا في كثير من المهرجانات نشاهد مسرحيات ما كان لها ان تأتي لأنها بحاجة إلي النضج وإلى المزيد من الاجتهاد والبحث...».«المسرح لا يزدهر إلا في مناخ من الجدل العقلي والنقد الخلاق والحرية»، هذا ما يقوله صبري حافظ، ويتابع:

«ولكن عندما تغيب الحرية، ويسدل الحجاب على العقل، لأنني كثيراً ما قلت أن الحجاب الذي أسدل على وجوه النساء، أسدل في الوقت نفسه على عقول الرجال، لا يمكن للمسرح أن يزدهر، ولا تستطيع المهرجانات المسرحية أن تقوم بدورها الحقيقي والمبتغى».

هندسة

ويقول عبد الكريم برشيد في هذا السياق: «نحن في حاجة الي هندسة حقيقية». ويضيف: «اعتقد ان ما ينبغي ان يصنع مستقبل المسرح العربي ليس هو الاعتماد على الموظفين والإداريين والمتسللين، لكن بالاعتماد على المبدعين الحقيقيين، وهذا ما ينبغي أن يقوم به النقد، أي أن يكون واضحاً، وان يسمي الاشياء باسمائها، وان يفضح كل الذين يشوشون على المسرح وعلى حركته الإبداعية».

عصام أبو القاسم