عبد العزيز المسلم اسم أصبح رديفا للتراث في الإمارات، فلا يمكن أن يخلو حديث عن هذا الموضوع دون ذكر اسمه، إذ أمضى عمرا في تتبع مسيرة الأقدمين، وراح يدون تاريخهم وحكاياتهم وأشعارهم وينقلها إلى الناس، من خلال وسائل إعلامية مختلفة ومؤلفات عديدة وضعها في هذا الميدان.
جهود كثيرة تبذل هنا وهناك في ميدان الحفاظ على التراث غير المادي في الإمارات، لكن ما هو مآل هذه الجهود وأين تصب نتائجها وكيف تستثمر؟ثمة مصبات عدة، فهناك جانب توعوي، يعمل على توعية الناس بأهمية الرواة وأهمية مصادر الثقافة الشعبية، وهذا جانب مهم، لأنه إذا لم يمتلك الناس ناصية الوعي بأهمية هذا المنبع الثقافي، فإنهم لن يولونه ما يلزم من الاهتمام. والجانب الآخر توثيقي حيث سيصدر قريبا كتاب يحتوي أرشيف إدارة التراث الذي يضم كل شيء متعلق بالتراث، على غرار الحكاية الخرافية أو المسخ، ومن هذا الجانب التوثيقي يفيد الباحثون.
حيث نوفر لهم المصادر التي يحتاجونها، ومن ثم يأتي الجانب المتعلق بإعداد الدراسات، أما الجانب الرابع، الذي قد يكون ملتبسا على البعض، فهو الجانب الاحتفالي في التراث، الذي كانت تركز عليه الحياة الشعبية والذي نقوم بإحيائه في الوقت الحاضر، مثل النصف من شعبان ورمضان والأعياد، وكذلك أيام الشارقة التراثية، بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي تنص على إحياء المهرجانات والسباقات كتلك التي كان الناس يحيونها في الخمسينات بين الحصن والرولة في الشارقة.
حيث كانت تنتشر الأراجيح والخيول وألعاب السيرك والجمباز ومبارزات السيوف وعروض الصقارين، وصولا إلى الكوميديين الذين كان يطلق عليهم اسم(كلجي). نحن نعمل من خلال هذه المفاهيم وأعتقد أن معايير اليونسكو قد أصبحت في الوقت الحالي، تنسجم مع هذه المفاهيم والتوجهات. اهتمام وتركيز هل تصل الرسالة التراثية إلى مستحقيها من الناس العاديين بعيدا عن الأطر النخبوية؟ إذا لاحظت من خلال فعاليات«يوم الراوي» كان هناك رواة من الذين كرمناهم في الدورات السابقة، وأحدهم ذكره الشيخ سلطان في كتابه«سرد الذات».
وهو عثمان باروت، فهؤلاء الرواة مصدر اهتمامنا دائما، حتى أننا في السابق لم نكن نعقد ندوات أو ملتقيات في يوم الراوي، وكان الأمر يقتصر على تكريم الرواة فحسب، والبارزون من بينهم كنا نربطهم بعقد مع الدائرة، لكن الندوة قد تفضي إلى مشروعات من شأنها أن تخدم الرواة والثقافة الشعبية.
حيث هناك حاجة في هذه الآونة إلى تقنيات حديثة في التعامل مع هذه الثقافة، فمن الممكن أن يأتيك باحث ويحدثك عن طريقة أخرى لاستغلال الراوي ما يعود بالنفع على المجتمع ككل، على غرار ورشة العمل التي أقامها الباحث البحريني يوسف النشابي، ضمن فعاليات يوم الراوي،حيث قام بجمع الحكايات الشعبية وطباعتها في كتيبات تتضمن نصف الحكايات، في حين ترك نصفها الآخر ونهاياتها لخيال القارئ، وبذلك يخلق رواة شعبيين وحكائين جددا، وكذلك يفعل في الورشة مع الشباب الناشئين.
حرية الراوي
هذا يقودنا إلى الحديث عن الجانب الإبداعي في السرد الشعبي، فإلى أي مدى يحق للراوي تحريف الحكاية الشعبية؟
تدخل الراوي في هذا الجانب غير منقطع وغير نهائي، طالما أن الحكاية الشعبية لم تكتب بعد، فله الحرية الكاملة في ذلك، بعد التدوين يروي الراوي الحكاية كما هي مدونة، لكن الحكاية غير المدونة تسمح للراوي بإعمال خياله ولهجته فيها، وحتى إدخال عناصر التشويق كما يرى ذلك مناسبا. وعندما كنت أنشر في جريدة الخليج حكايات شعبية، كنت آخذ الحكاية من الرواة وأعيد صياغتها بالفصحى فأصبح راويها.
ولا أذكر اسم الراوي وكان الكثير من الناس يتصلون بي ويبلغونني أن لديهم نسخا أخرى من تلك الحكايات، وذلك تبعا لهذه المنطقة أو تلك. طالما أن الأدب الشعبي لم يدون بعد فهو قابل للتطوير، حتى أننا اخترنا لهذه الدورة من «يوم الراوي» عنوانا يتعلق بهذا الأمر بالذات وهو«الراوي والإبداع»، فالحكواتي الذي يروي حكاياته في مقهى النوفرة في دمشق يشتغل منطلقا من منظومة أدبية خاصة به.
وعندما دعونا راوي المضافات الحكاء السوري شداد، القادم من الجزيرة (القامشلي) للمشاركة في يوم الراوي، كنا نعرف أنه ربما يحفظ أكثر من ألف حكاية، لكنه يختلف تماما عن حكاء النوفرة، وقد يكون هذا أكثر صدقا، والباحث محمود البكر قدم ورقته عن الفرق بين راوي المضافة وراوي المقهى. وهنا مكمن الإبداع، فالراوي مبدع وهو يقتل الحكاية المبدعة إذا كان غير مبدع، وفي حالة العكس، فإن الراوي المبدع يحيي الحكاية مهما كانت رديئة.
لدينا سيدة راوية بلغت التسعين من العمر ما إن تبدأ بسرد حكايتها حتى تقف على قدميها وتقوم بتمثيل مشاهد الحكاية، وتغير صوتها حسب الموقف بغية إقناع المتلقي بحكايتها.
وضع خاص
هل تعتقد بوجود جرعة زائدة من التعامل مع موضوع التراث في الإمارات؟ وإذا كان الأمر كذلك، ما هي الأسباب؟
هناك وضع خاص للإمارات من ناحية التركيبة السكانية، التي لا يغلب العنصر الوافد عليها فحسب، بل إن الإماراتيين شعب منفتح على الآخر، ما يجعله يجاري الوضع ويتكلم بلغات أخرى، مثل الإنجليزية والهندية.
وهذا من طباع أهل الساحل، فالإماراتيون هم قلة حتى لو أضفت لهم العرب يبقون قلة، ولذلك هناك نوع من القلق، وهذا الإحساس لا يقتصر على الإماراتيين فقط، بل إن باحثين من سوريا وعمان عبروا عن المخاوف نفسها رغم أنهم لا يعانون من أي مشكلة في التركيبة السكانية، فهناك خوف عام، حيث يتحدث البعض عن الخوف من العولمة علما بأن العولمة تلعب دورا إيجابيا في إخراج تراث هذا البلد أو ذاك إلى النور.
لكن الخوف الحاصل يأتي من شيئين، إما من وضع مثل وضع الإمارات بسبب قلة عدد السكان والحداثة الزائدة في العمران ونمط الحياة، وإما من أن الدولة نفسها تفتح ذراعيها للغرب وثقافته وهيمنتها على الأصل، بحيث تصبح اللغة الانجليزية هي السائدة في المجتمع، إما تكون الغلبة في التركيبة السكانية لغير المواطنين وإما القبول الزائد والتسليم المطلق بثقافة الآخر.
ما هو المخرج؟ وكيف يمكن الحفاظ على التراث في ظل العولمة؟ وكيف يمكن جذب الأجيال الشابة إليه ؟
زرت اليابان هذه السنة مرتين، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن الياباني يحترم هويته وثقافته وعاداته وتقاليده. وهذا الاحترام كفيل بإبعاد شبح العولمة عن مجتمعه، وذلك يطال الدخول إلى المجالس والبيوت بعد خلع الحذاء وتركه في الخارج، عكس ما يحصل عندنا.
حيث بتنا ندخل بيوتنا ومجالسنا بأحذيتنا، حتى أنهم في حفلات الشاي يتلقون أكواب الشاي بكفين مفتوحين ويجلسون على الركبة ويحنون الرؤوس كما في الصلاة، وحتى مقولة السيدات أولا لا تصلح في اليابان، فالنساء أنفسهن يقدمن الرجال على أنفسهن، تبعا للعادات والتقاليد اليابانية، بينما سارعنا نحن العرب إلى تغيير تلك العادات والتقاليد العربية الأصيلة، ورحنا نعتق الغربية منها.
كيف تنظرون إلى الجهود المبذولة في الدولة في سبيل جميع وتدوين التراث؟
على الرغم من الجهود المبذولة بهذا الاتجاه، لكن لا بد من وجود مؤسسات اتحادية أو مراكز اتحادية تقوم بتنسيقها جميعا، فصحيح أنه تم إنشاء المجلس الأعلى للسياحة والآثار، لكن ما ينقصنا هو المجالس العلمية.
ومن أهم المقترحات لسد غياب التنسيق والتي يمكن أن تتبناها في دائرة الثقافة والإعلام، حيث أعتقد أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان سيكون من أهم الداعمين لنا في هذا المسعى، يتمثل في أن يكون لنا مؤسسة على غرار مؤسسة ذاكرة العالم العربي، التي تبناها مركز التراث الحضاري في مصر وبعض الدول العربية الأخرى، وهناك مشروع النشر الإلكتروني أيضا.
ولقد رفعنا توصية للجهات المتخصصة كي ننشر، من خلال موقعنا في إدارة التراث، قاعدة بيانات للمهتمين بالتراث في الوطن العربي، فإذا أردت إنجاز موضوع عن القهوة، على سبيل المثال، فما عليك إلا الدخول إلى موقعنا هذا .
حيث ستجد كافة المعلومات والأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع، سواء كان البحث سوريا أم إماراتيا أم سعوديا، أي أننا نتكفل بنشر قاعدة البيانات هذه، كما اقترح الدكتور مصطفى جاد موضوع الأطالس، بعد أن أصدروا في مصر أطلسا أطلقوا عليه اسم«أطلس الخبز».
وهو عمل رائع، ففيه توزيع إثنولوجي جغرافي كبير، وهناك اقتراح ثالث خرج عن ملتقى «يوم الراوي» كذلك، بالإضافة إلى قاعدة البيانات والأطالس، يتعلق بإعداد السير أو الببيوغرافيات، أما الاقتراح الرابع فيتعلق بالمكانز، ففي الوطن العربي هناك مكنزان، الأول في مصر وأشرف عليه الدكتور مصطفى جاد، وآخر أشرفت عليه د.سعدية عزيزي في المغرب، ويدعى «مكنز التراث المغربي».
المكنز شبيه بالسير، لكنه مشغول بشكل موسع، آخذا في الاعتبار خصوصية المكان، وفيه تفاصيل أكثر. هذه الأشياء الثلاثة يجب أن تشق طريقها على المستوى العربي أو على مستوى إقليمي على أقل تقدير، مثل: إقليم الخليج، الشام، مصر والسودان، المغرب العربي.
ما هي المنهجية المتبعة في جمع التراث؟
إن مناهج البحث متعددة وواسعة النطاق، بينما نشتغل نحن العرب على المنهج التحليلي فقط، لأنه الأسهل من بينها جميعا، كما اعترف بأننا نعاني من ضعف كبير في المنهجية.
لدي الكثير من الإصدارات التي تمنيت بعد إصدارها أن أخفيها تماما، إذ شعرت أنها بحاجة إلى مزيد من البحث والتدقيق، ولقد اعتبرتها مادة مجموعة جمعا، واعتبرت نفسي كنت جامعا وليس باحثا، المشكلة أن الميدان خال وأنت تستطيع أن تلعب فيه دون أن يزعجك أحد، فالميدان الثقافي العربي يعتبر ضعيفا وخاليا جزئيا، وفيه الكثير من المطبلين الذين طغوا على الباحثين الحقيقيين.
شح في البحث
ما هي المعايير التي تأخذ في الاعتبار عندما تتبنى المؤسسات التراثية باحثا ما؟
في ظل الشح القائم وعدم وجود متفرغين ومتخصصين، نحن مضطرون للتعامل مع متطوعين في هذا الميدان،وغالبا ما يكون هؤلاء موظفين في مؤسسات أخرى، حيث نجد صعوبة في تكليفهم، لاسيما وأن المبالغ المرصودة لهكذا أعمال متواضعة ولا ترقى إلى مستوى يمكن الباحث من التفرغ لمدة معينة لانجاز العمل المطلوب، مثل ما يفعل أمين معلوف على سبيل مثال. القصد أن هناك شحا في البحث، فضلا عن عدم وجود خبرات أيضا، حتى بين العاملين في المؤسسات التراثية.
ٍّما الذي تعولون عليه من الدورة العاشرة من «يوم الراوي»؟
في أيام الشارقة التراثية عقدنا ملتقى علميا حول إمكانات الشارقة بصفتها رائعة من روائع التراث غير المادي، ومن أبرز أهدافه إيجاد داعمين لهذا المشروع، حيث حصلنا في ذلك الملتقى على داعمين من فنلندا وفرنسا واسبانيا وإيطاليا، ومن دول عربية.
وكذلك من أشخاص كانوا مدراء في اليونسكو، مثل الدكتورة أمينة المغاري ويارو بلاتنيون مدير المتاحف في فنلندا، ومدير راديو فرنسا توفيل، ودييغو مسؤول الأنشطة الثقافية في جزيرة سردينيا الايطالية، من بين مجموعة كبيرة من الأشخاص الداعمين الذين حضروا الملتقى.
و«يوم الراوي» لهذه السنة هو استكمال لذلك المشروع الذي طرحنا فيه شعار الشارقة فضاء للتراث غير المادي، وسيصدر كتاب عن هذه الفعاليات تشتغل عليه د. نسيمة بو صلاح واد. بروين.
كل ذلك يهدف إلى إظهار إمكانات الشارقة بصفتها رائعة من روائع التراث غير المادي، وأن فيها فضاءات جاهزة لا تزال حية مثل مجالس الشواب المفتوحة منذ زمن طويل، ونحن نسعى إلى تسجيل تلك الفضاءات في المحافل الدولية، على غرار مراكش التي تمكنت المؤسسات المعنية بالتراث فيها من تسجيل منطقتين في اليونيسكو، الأولى هي فضاء جامع الفناء.
والثاني هو مهرجان «موسم طان طان»، مع الأخذ في الاعتبار أن أيام الشارقة التراثية أكبر واشمل من موسم طان طان نفسه، لكننا لم نتمكن من تسجيلها بعد، في حين تعتبر الفعاليات التي نقيمها حاليا مقدمة لعملية التسجيل تلك، والتي يمكن أن تشمل يوم الراوي ومنطقة العرصة والمريجة والشارقة القديمة، لأنها تشكل فضاءات حية لا تزال تنبض بالحياة.
باسل أبو حمدة



