للجمال في الصين أماكن، جدارية عملاقة تعكس في دقة، تاريخ وأساطير وتصميم شعب على أن تشرق من أفقه شمس الحضارة، وغموض يلف البلاد يستنفد كل من يقترب منه لفك ألغازه، ربع تعداد سكان العالم، وقف العلماء عند حدودها ربما تنفتح أمامهم أسرار العلاج لكل داء، لهم كل البصمات على امتداد العالم.
الشاي، نبتة يعرفها العالم كله، ولكنها واحدة من أساطير الصين، التي لا بد أن يقف الإنسان مبهوراً أمام حقولها الممتدة كبساط أخضر ثمين، فالشاي والصين وجهان لعملة نادرة. فما هي حكاية الشاي الصيني هذه؟طريق الأساطير الذي كانت الخيول العملاقة تحمل الشاي الصيني عبره للعالم المجاور، هي بداية القصة، بالفعل في الصين طريق طويل في مقاطعة سيشوان يُعرف باسم طريق الخيول التي تسير إلى التبت محمّلة بنبتة الشاي وكان حجم التجارة عبره يصل إلى الملايين من اليوان الصيني (العملة الصينية) .ولأن للأسطورة مكانة في تحويل الصين كل حين للأفضل، فقد تمت زراعة طريق الخيول هذا بعد عشرات السنين من تمهيده واستصلاحه ليكون أرضاً لزراعة أندر أنواع الشاي في العالم، بعد أن كان واحداً من أهم الطرق التجارية في العالم أيضاً. تاريخ مستمر من فوق البساط الأخضر الصيني الثمين الذي يعكس شجيرات أنواع الشاي النادرة، تسير سيدات محنكات في مهنة قطف الشاي بأنامل من حرير، بالفعل ترتدي السيدات جوارب حريرية بلون البشرة.
وملابس قطنية خاصة، حتى لا تتلف شجيرات الشاي أثناء القطف، على ظهورهن سلال من البامبو الناعم يجمعن فيها الشاي بصبر لا ينفد على مساحات تصل إلى ألفين وأربعمئة ميل، تربط مدينة سيشوان الصينية بمناطق في التبت أهمها لاهاسا، معاً يشكلان أكبر طريق تجاري في العالم، قبل تمهيده لزراعة الشاي الصيني الأرقى عالمياً.أناس مسنون تاريخهم محفور يدوياً على الوجوه والأيدي، وكأن الزمن مر من هنا، من فوق الوجوه التي أصرّت على أن تكون لها بصمة في تاريخ الصين العريق والضارب بقوة في جذور العالم، هؤلاء هم من كانوا يعيشون في الطريق الأسطوري، أكبرهم سناً هو ليو يونج فو (101 عام).
ولكن ذاكرته حديدية، هو كتاب مفتوح يعكس تاريخ زراعة الشاي، يقصها يومياً على أجيال جديدة محبة لبلادها، يلتفون حوله في حديقة منزله، التي يزرعها بالشاي أيضاً، ويعيش في قرية غانجيبا الصينية في منطقة يآن جنوب. مدينة سيشوان التي اشتهرت على مدار تاريخ الصين بصناعة الفخاريات الصينية الأصلية المعروفة في العالم كله باسم «شينوا».يعمل يونج فو حالياً في جمع الشاي وتصديره، بمساعدة أحفاده الذين يصل عددهم لأربعين حفيداً في مختلف مراحل العمر، زوجته جيافو تعمل في صناعة الفخاريات الخاصة بشرب الشاي، وهي عبارة عن فناجين محفور عليها مناظر طبيعية تتصدرها نبتة الشاي ذاتها، معها تعاقد كبريات الشركات لتصدير هذه الأواني الخاصة بشرب الشاي الذي له طقوس تاريخيه ما زالت تُمارس حتى اليوم.
وزراعة الشاي وحصاده تشارك فيها الصينيات، لأنها جزء من تاريخهم، بكل الحب يتعاملون مع محصول الشاي خاصة النوع ذي الوريقات الحمراء التي يطلقون عليها قرص الشمس، وأثناء الزراعة والحصاد لمحصول الشاي يغني المزارعون أغنية ترجع لمئات السنين أيام الصينيين القدامى، وهي من تأليف شاعر صيني كان كاهناً في أحد المعابد التاريخية، وتقول الأغنية: «بعد سبع خطوات للأعلى لا بد من الراحة
وبعد سبع خطوات للأدنى لا بد من الراحة
وبعد عشر خطوات للأمام لا بد من الفخر
وبعد عشر خطوات للخلف لا بد من الزهو»
وربما تجسد هذه القصيدة التاريخية من التراث الأدبي الصيني معاني العمل الذي تعقبه راحلة للتأمل في ما هو آت، وأيضاً لمزيد من التطلع للمستقبل الكبير، وكذلك الفخر بكل ما هو قديم وتراثي وتاريخي، وتلك الأغنية مقررة حتى الآن في المدارس الصينية لدفع الطلبة للعمل في إطار خطة جماعية.
وماذا عن صناعة أطقم الشاي الصينية؟
فن وعراقة
هو فن راقٍ لطقوس وأسرار لا تخرج خارج حدود الصين، فهذه الأطقم مصنعة من أرقى الفخاريات غير القابلة للخدش أو الكسر أو طبع بصمة عليها، تُنقش بأقلام سنّها من الذهب الخالص باستخدام فرشاة من شعر الخيول الناعمة تُصنع بطريقة خاصة ولا تُستخدم أكثر من مرتين فقط، النقش على البورسلان الصيني يأخذ في حدود ثلاثة أيام لرسم فنجان شاي واحد صغير.
ويتكون طاقم الشاي الصيني من أربعة فناجين متوسطة أكبر قليلاً من فنجان القهوة، وكانت في الأصل لا طبق يُوضع تحتها، ولكن في التحديث الذي شهدته الصين تمت صناعة أطباق لفنجان الشاي، ثم سكرية صغيرة وأربع ملاعق صغيرة من البورسلان ذات نقوش تتماشى مع نقوشات الطقم كله وعدد 2 إبريق شاي واحد منهما من مادة الزهر فائقة الاحتمال لأعلى درجات الحرارة، وهو يُوضع على موقد به خشب مشتعل، أما الإبريق الآخر فهو من نفس شكل ونقوش الطقم، غالبية النقوش تكون بألوان ساخنة، كالأرجواني والأخضر القاني والبرتقالي والأزرق ومحاطة حواف النقوشات بزخارف من الذهب الخالص عيار 14.
ولشرب الشاي في الصين طقوس وتقاليد ترجع لآلاف السنين، ففي كل منزل صيني قاعة مخصصة لشرب الشاي تُعرف باسم «تيبا» بمعنى حجرة الشاي، وهي متسعة تفترشها سجادة صينية يدوية الصنع، غالباً ما تكون خضراء كحقول الشاي، وعليها خديرات حريرية كبيرة للجلوس عليها، وبها شباك بعرض حائط الحجرة، مرسوم عليه حقول الشاي والسماء، التي تبارك المحاصيل.
ولشرب الشاي لا بد من الاهتمام بالمظهر، ارتداء الملابس الجديدة جزء من الطقوس في الثالثة من بعد ظهر كل يوم، في كل ركن من أركان حجرة تناول الشاي شعلة برونزية تنتهي بقطعة فنية من البورسلان الأبيض المحفور يدوياً.
وهي تنير القاعة في ضوء الشمس الطبيعي، ولكن يرجع هذا التقليد لقرون مضت بأن الشعور بالدفء مع تناول الشاي وجهان لعملة تحقيق التوازن النفسي والصفاء الذهني وهو الأهم في المعتقدات الصينية لأن الذهن الصافي هو الذهن المبتكر دوماً. يتناول الصينيون مع الشاي العديد من أنواع البسكويت، جميعها مصنّع من دقيق (طحين) الحنطة وحبوب عباد الشمس والسكر البني وجوز الهند.
وتطبع صورة وريقات الشاي على بعض العملات الفضية القديمة التي يعتز بها الصينيون، وهناك بالعاصمة بكين متاحف تضم هذه العملات بالإضافة إلى سرد تاريخ زراعة الشاي في الصين وحتى اليوم.
لاتزال الخيول جنباً إلى جنب مع وسائل النقل الحديثة تنقل الشاي داخل الصين، أيضاً الأفراد من المزارعين والزراعات ينقلون الشاي من مكان لآخر، وهو تقليد يعني بالنسبة لهم الالتصاق بالأرض، فالشخص من الرجال يمكنه حمل 150 إلى 200 كيلو من ورق الشاي، معبأ في أكياس ملونة من الخيش المربوط بأعواد الخيزران الخفيفة، أما السيدات فيتمكن من نقل من 90 إلى 100 كيلو منه.
ورحلة نقل الشاي عن طريق الأشخاص محفوفة بالمخاطر كالسطو والسرقة والإرهاق حتى الموت، يتناولون خلال رحلتهم الأرز المسلوق وشرائح سمك غير مطهوة، الغناء والشعور الجماعي أثناء نقل الشاي هي الدافع للاستمرارية في هذه المهمة الصعبة التي كان يقوم بها الإنسان والجياد في القرون السحيقة لنقل الشاي إلى التبت، فكل جواد يتمكن من نقل ما يعادل حالياً 500 كيلو من الشاي، ويحصل الصينيون على الجياد كنوع من المقايضة، أو على حسب أحد من مشاهير الرسامين على البورسلان.
مائة نوع
وتتم زراعة حوالي مئة نوع من الشاي الصيني، غير تلك الأنواع المهجنة، ويعتبر الشاي الأحمر الأرجواني اللون والشاي الأخضر المانع للأكسدة من أندر أنواع الشاي في العالم، فليس كل شاي أخضر يُزرع في العالم له النسبة العالية نفسها من مضادات الأكسدة، التي تحيط بالجهاز الهضمي والكبد بالنسبة للإنسان، فالشاي الصيني الأخضر هو وقاية طبيعية للعديد من أمراض الجهاز الهضمي في مقدمتها السرطان وتشمع الكبد.
تصنع العديد من العقاقير الصينية من الشاي الأخضر، أو مزجه بأنواع نادرة أخرى من الشاي لا يعرف أسرارها أحد سوى الصينيين، ولا تصدر معظمها لدور العالم.وتنمو نبتة ذهبية اللون بها إنزيم معين تنمو بجوار شجيرات الشاي وهي باهظة الثمن، لأنها تقضي تماماً على نوع من أنواع سرطان الكبد، وتصدّرها الصين مقابل آلاف الدولارات للجرام الواحد.
ويصعب معرفة تركيباتها الطبيعية لأنها تنبت من دون بزور أو غرس شجيرات منها، وإنما هي تنمو وسط شجيرات الشاي، لا أحد يعرف سبب نموها، حتى كبار المزارعين في الصين وكبار علمائها الذين أرجعوا ذلك لخواص معينة في التربة في طريق الخيول الذي مُهد لزراعة الشاي.
وهي تُباع بالجرام كالذهب تماماً، لأن تناول خيوط قليلة منها مع مياه ساخنة يومياً يشفي من العديد من الأمراض، ومنها سرطان الكبد في بداية مراحله، وتُعتبر في حد ذاتها ثروة صينية ولكنها غير متوافرة دائماً، وهناك متخصصون في جمعها يقومون بقطعها من بين وريقات الشاي خاصة الأخضر منه.
ويتم ذلك باستخدام ملقط من الفضة، لنزعها برفق من جذورها، والقيام بهذه المهمة ليس بالسهولة التي يتصورها أي إنسان، لأن حصادها يكون في ضوء القمر، لأنها تكون خاملة وكأنها في حالة نوم، أما تحت ضوء الشمس فهي تلتف بعضها على بعض، وهذه النبتة حيّرت العلماء في الصين حتى اليوم.
فائدة طبية
والأبحاث الصينية الحديثة توصلت إلى أن مزيجاً من الشاي الأخضر مع خيوط قليلة من هذه النبتة التي تنمو بجانبه لهما أهمية قصوى، خاصة لدى السيدات، وهي تأخير مظاهر الشيخوخة بعد سن الخمسين، حيث تتوقف العديد من الخلايا عن النمو بالسرعة ذاتها قبل الخمسينات من العمر، فضلاً عن أنهما يبطلان تسرب الشعر الأبيض للرأس، لأنهما يقويان غدد تلوين الشعر باللون الطبيعي.
وفي الصين مصانع كبرى تنفرد بصناعة الشاي على شكل سائل يُعبأ في زجاجات عملاقة تُباع بأسعار عالية، لأن القليل منها مركّز يُضاف إليه الماء المغلي ويُشرب، يعمل في هذه المصانع الألوف من الصينيين وسط اللهب والغار.
وهي صناعة لا يعرفها العالم، فهي حكر على الصينيين فقط، وهناك مقول شهيرة لأحد المسنين الذين يعملون في مجال زراعة وصناعة الشاي: «يمكن للصين أن تحارب العالم بقوة الشاي»! وهي مقولة رمزية تعني أن للشاي الصيني قوة السلاح.
والمسنون في الصين يعرفون أقدم الطرق في تناول الشاي وتقديمه، فالشاي كان يُقدم في الصين منذ قرون بوضع قليل من «الياكا» وهي كلمة صينية تعني دهون الثور البري في الصين، فيما بين لحمه وجلده مادة دهنية رائعة المذاق، كما يعتقد الصينيون، تُوضع على الشاي.
ويُنثر عليه قليل من مزيج الملح الناعم والسكر، وهي تركيبة تراثية لا تستسيغها الأجيال الجديدة، وإنما ما زالت تقدمها المجتمعات الصينية التي يعيش فيها المسنون الذين لا يرضون إلا بواقعهم القديم.
رمز النقاء
في المقاهي حالياً يقدم الندلاء الشاي، وهم يضعون أقنعة حتى لا يلوثوا الشاي الذي هو رمز للنقاء والشفاء في آن، وتُعزف مع الشاي موسيقى هادئة، ولكنها حادة النغمات، فتحدث مع تناول الشاي نوعاً خاصاً من الانتعاش ومزيداً من التركيز ويقظة الدماغ.
أما المولود، فيستحم في ماء الشاي المضاف إليه العسل والنبتة الذهبية، وتظل يداه منقوعتين في الشاي حتى يكون عاملاً ذكياً وفذاً في المستقبل.
والشاي حكاية صينية من التراث والأساطير، فهو أكثر من مشروب، هو حكاية شعب تطايرت طموحاته فتحدى أن يكون مجرد أسطورة بالإبهار جذب أنظار العالم إليه. فالشاي هو جزء من نجاح صيني يُقاس عليه كل النجاحات الحالية والطموحات المستقبلية.
ولِم لا فالإرادة الموجهة تصنع الشعوب، أو كما تقول الأغنية الشهيرة: «الشعب اللي مصيره في إيده هو الفارس، هو الحارس، والأحلام مش عايزة فوارس، دي الأحلام بالناس تتحقق». بالتحديد هذا المعنى البسيط أوجد من الصين وشعبها أسطورة قديمة، وواقعاً مبهراً، وعيوناً تتطلع لمستقبل يُدهش العالم كله.
منى مدكور



