يتابع الكثيرون على امتداد العالم، وبمزيد من الاهتمام، ظاهرة مدهشة يعتقدون أنها يمكن أن تغير إلى حد كبير فهمنا للعمارة.

حيث يتجه المبدعون إلى بناء مساكن يوحي تصميمها بالبهجة والحيوية وترتبط في المقام الأول بمناطق المنتجعات وقضاء العطلات، وتتعدد المؤسسات التي تضع حماسها لهذا النوع من الإبداع المعماري في صدارة برنامج لتشييد مساكن مخصصة لقضاء الإجازات والعطلات، وسط بيئة جميلة ومتاحة، تحت سقف اقتصادي مقبول في الوقت نفسه. «إنها بمثابة الحلوى الحلزونية، المثيرة للجدل، وسط الإبداعات المعمارية» هكذا يصف المفكر، السويسري الأصل، آلان دو بوتون، المنازل التي صممها المعماري باريت بيرسيمون، والمصممون أمثاله، موحيا بأنه، أي دو بوتون، هو جيمي أوليفيه، في مجاله المختار.

ومثل ما شن الأميركي أوليفيه حربا على الحلزونيات المتجانسة من الشحوم والدهون، وحارب من أجل رفع نوعية وجبات الغذاء في المدارس، فإن دو بوتون يريد أن يحيي أحاسيسنا إزاء مساحات البناء، كي نصبح أكثر انتقائية، كما أنه وجه النقاش بشأن الإسكان، في اتجاه إيجابي قليلاً. مشروع تصحيح إن دو بوتون، هو الكاتب الناجح الذي تقدم لنا كتبه الثقافية اللطيفة، النصيحة في شؤون الحب والفلسفة والعمل والسفر والمسائل الشرعية، وقد أسس أخيراً مؤسسة لا تهدف إلى الربح، تسمى «العمارة الحية». هدفها هو بناء مساكن حديثة مثيرة للبهجة، يمكن تأجيرها لقضاء الإجازات أو لعطلات نهاية الأسبوع، مقابل 2500 جنيه إسترليني، ولثمانية أشخاص في الأسبوع.

والهدف الآخر من ذلك هو «تصحيح الأسلوب الزائل الذي يرفدنا به معظم المعمار الحديث: فالنوم في مكان ما يغير طبيعة إدراكك». والنموذج هو مؤسسة «لاندمارك ترست»، التي تعالج الأعمال باهظة التكلفة، وبوابات المنازل، والأبراج، والبيوت الريفية، والمباني الأخرى المماثلة، وتجعلها متاحة للتأجير في العطلات.

ويقول بوتون: «إن الفكرة جاءتني بعد نشر كتابي «معمار السعادة». وقد خرج الكتاب من بين «ثنايا الجزع» الذي شعر به إزاء المباني المحيطة بمنزله في ذلك الوقت، في منطقة «شيباردز بوش» في غرب لندن. وقد أدى الكتاب إلى دعوته للتحدث في مؤتمرات عدة.

ولدى عودته من أحد تلك المؤتمرات مر «بلحظة تأزم مثل التي يشعر بها المسافر في القطارات، عائدا إلى بيته ليلا». وقد تساءل: «لماذا أعيش؟». وشعر برغبة عارمة في التغيير.

وهناك لحظات تأزم مماثلة ألهمت الحكام والأمراء والارستقراطيين لبناء مدن جديدة، أو قرى نموذجية. ويمكن اعتبار أعمال «العمارة الحية» قرية نموذجية، تتناثر على مدى الريف الإنجليزي.

وهي أيضا متأثرة بما يمكن تسميته «الالتوائية»، على غرار الجناح السنوي لمعرض «الالتواء» في لندن، الذي يمثل نوعا من الإيمان بالسحر الخاص الذي يملكه العمل المعماري المفرد. ويقوم مارك روبنسون الذي دأب على تنظيم أجنحة معرض «الالتواء»، حاليا، بوظيفة مماثلة كونه عين مديرا ل»العمارة الحية».

تبلغ حصيلة «العمارة الحية» حتى الآن خمسة منازل في مراحل مختلفة من التشطيب. والتكاليف لم يفصح عنها. لكن روبنسون يقول إنها في مستوى النصف مليون إلى المليون يورو لكل منزل.

وهذه المنازل مصممة من قبل خليط من المعماريين الحكماء الكبار والشبان. ومبنى البيت الريفي المتوازن المكتمل قرب منطقة «دارشام» في «سافولك»، مصمم من قبل بيت التصميم المعماري الهولندي «إم في آر دي في» الذي يعرف بالتمكن في فن الإثارة والتحفيز. أما منزل «ديون» شبه المكتمل في «ثوربنيس» في سافولك أيضا، فصممه النرويجيان، جارموند وفغنايس.

وأما المنزل القائم بذاته في دونغينيس بمنطقة «كنت»، فهو من تصميم معماريين اسكتلنديين شبان. والبيت الطويل في «كوكثورب» في «نورفولك»، هو من تصميم مايكل وباتي هوبكنز، اللذين يصفهما دو بوتون بأنهما «جزء من الثلاثي الذي أصبح الآن الحداثيين البريطانيين الكلاسيكيين».، بالإضافة إلى كل من نورمان فوستر وريتشارد روجرز. وهو من المقرر افتتاحه في الصيف المقبل.

وقد قارب العمل على الانتهاء، أيضا، في بناء المنتجع المدني في «سالكوم» بمنطقة «ديفون»، الذي صممه السويسري بيتر زومثر، حيث ألهم مدرسة من الأتباع. ومن بين كل المعماريين الذين اتصلت بهم «العمارة الحية» للتعاون معها، كان هو الوحيد الذي شكك في ما إذا كان العمل يستحق أن ينفق فيه وقته. لكن جمال الموقع أقنعه.

منزل متواضع في أعلى التلة

يبرز بوضوح من بين هذه الأعمال الخمسة، مبنى البيت الريفي المتوازن، باعتباره أكثرها إثارة للإعجاب، إذ إنه نموذج كلاسيكي لخطوط الحداثة الأحادية، التي يتم فيها إنفاق الكثير من الجهد والتصميم، وحيث ينفق الكثير من الصلب على الهيكل من أجل الوصول إلى عمل تذكاري متفرد.

ويبدو العمل الذي يستقر على قمة تلة منحدرة، على نحو منزل متواضع، بشكل محسوب بدقة، في شكل مستطيل مع مثلث على قمته، وهو من النوع الذي يمكن أن تراه في رسوم الأطفال، أو شعارات شركات الإقراض الإسكاني، أو بيوت الألعاب البلاستيكية المكعبة. ومبنى البيت الريفي المتوازن هو المعادل الحديث لمبنى «الأناناس»، وهو مبنى باهظ التكاليف من القرن ال18 في «دانمور» وسط اسكتلندا، وهو على شكل الفاكهة المذكورة.

وهذا المبنى هو معلم يشار إليه بالبنان، من قبل مؤسسة «لاندمارك ترست»، وسيفعل منزل الشعاع المترنح لشركة «إم في آر دي في» الهولندية، الشيء نفسه مع «العمارة الحية».

وعلى بعد أميال قليلة، في ثوربنيس يتألق منزل «ديون» بطريقة أكثر لطفا بأفكار مماثلة تقوم على مقاومة الجاذبية والمحلية. الفكرة هنا هي جعل الطابق العلوي يبدو وكأنه يطفو عن طريق المبالغة في التصميم، وجعل السقوف، المصنوعة من الخشب الأسود، تبدو مدببة، فوق طابق أرضي محفوف بالحوائط الزجاجية، المتساوية كمثل الأفق.

وفي «دونغينيس»، بالقرب من الحديقة التي أنشأها ديريك جارمان، تمت إعادة إنشاء المظلات الآيلة للسقوط، التي تتناثر فوق السقف، بأروع المواصفات، لتصبح منزلاً جميلاً، تضاعف سعره بنحو 50 مرة. وفي «نورفولك»، يبدع السير مايكل والليدي هوبكنز، بيتا ريفيا بالغ الدقة في الصنع، وهو من الخشب الخالص والحجر الصوان والمفاصل الدقيقة.

وفي «ديفون»، يرتب زومثر شبيها آخر غير متوقع لتصميمات ميس فإن دير روهي، ولكن هذه المرة من خلال دائرة حجرية من العصر الحديث. فالحوائط الزجاجية سيكون بها شيء من تصميمات «بيت فانثورث» الحداثي الألماني، لكن الأجزاء الصلبة ستكون من الحجر المجعد.

وتمثل الأعمال الخمسة مجتمعة، كشفا عن أشياء عدة. أولها، التحول الحادث في الريف البريطاني، أو على الأقل أجزاء منه، لتبني أسلوب الإبداع الفني الفخم بدلاً من مجرد الاستخدام الوظيفي. فالحظائر والأكواخ، تصبح أعمالا فنية قابلة للسكنى.

والغريب أن شبه جزيرة دونغينيس التي يتمثل جمالها في التلقائية، يجب أن تعامل الآن باحترام. وحتى ما قبل فترة ليست بالبعيدة، كان الجميع يبني هناك أي شيء يريده، بما في ذلك محطة نووية، ولكن الآن، وبحسب مارك روبنسون: «فأنت تحتاج إلى نحو 100 تصريح لبناء أي شيء. كما أنه ليس مسموحا لك بنقل ولو حصوة واحدة من مكانها».

برهان الممارسة

شيء آخر كشفت عنه هذه الأعمال المعمارية الخمسة، هو أن الكلام غير الخبرة والممارسة. ويتجسد ذلك في تصميم مبنى البيت الريفي الخارجي والداخلي. فالمعماريون يمكنهم تنفيذ الاثنين، وكلاهما سيساهم في الإحساس بالفضاء، لكن عند البحث عن مقصد مريح للأعصاب، فستلعب الخبرة دورا أكبر من مجرد الإحساس العابر بجمال المنظر.

وهناك كشف آخر يتمثل بالطريقة التي تجعل المعماريين لا يستطيعون رؤية منزل إلا ويريدون تحويله وتخريبه وقلبه رأسا على عقب، من الداخل والخارج. وكذلك صعوبة تنفيذها.

فقد حشد دو بوتون تمويلا ضخما لمشروعه، ولكن بسبب القيود التي يفرضها نظام التخطيط البريطاني، فإن مشكلته الكبرى هي العثور على المواقع المناسبة للبناء. كما أنه ليس من الواضح بعد كيف ستتم ترجمة جماليات تصاميم «المعمار الحي» وتجسيدها في كل ما ينتجه منفذو المساكن التقليدية.

عصام بيومي