يتصارع القديم والحديث، في جميع البلدان. لكنه في أغلب الأحيان، يتجاور بانسجام ولا يشكل أية مفارقة، حيث القديم له نكهته والحديث له فائدته. إلا أن دبي تختلف عن البلدان الاخرى بسبب الطفرة العمرانية الضخمة، على عكس البلدان الأخرى التي تطوّر فيها العمران الحديث بالتدريج، لذلك لم يكن طاغياً مثل ما هو الحال في دبي، حيث أثرت الأبراج على طريقة الحياة وأسلوب العيش وثقافة الأفراد.

يخشى الكثيرون، وسط التطور العمراني الفائق، أن تختفي البراجيل: أيقونة دبي الخالدة، فهي تمثل معلماً معمارياً مميزاً لمساكن الإمارات، حيث من الضروري أن يتواجد بالمسكن، منفذ هوائي واحد على الأقل، بينما يزداد عددها إلى اثنين أو أكثر، حسب سعة المنزل وجاه صاحبه.ويتجلى ذلك في المباني القديمة التي ما زال بعضها موجوداً إلى الآن في دبي، وخاصة في منطقة الفهيدي والسوق القديم والبستكية والشندغة وغيرها. كانت البراجيل رمزاً لما يمثله البناء القديم، من ناحية الشكل والتصميم دون الدخول إلى عمل البراجيل ووظيفتها، بل كرمز معماري يميّز دولة الإمارات عن غيرها.

الاغتراب المعماري لا يختلف اثنان في أن التراث العمراني في دولة الإمارات تأثر بالأوضاع الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، قبل اكتشاف البترول، وكان أسلوب الحياة الإماراتية يتصف بالهدوء والحياة التقليدية البسيطة. والأهم في ذلك أن العمران الحديث الذي اجتاح الإمارات عامة، ودبي خاصة، هو في نظر البعض يشكل ما يمكن أن نطلق عليه «الاغتراب المعماري». يؤكد الدكتور ياسر عثمان محرم محجوب، من قسم الهندسة المعمارية، في جامعة الإمارات، أن الاغتراب المعماري الذي وجد في المنطقة كنتيجة حتمية لوجود جيل من المعماريين، تعّلم النظريات المعمارية الحديثة في جامعات الغرب، منكراً القيم التخطيطية بأبعادها الوظيفية والجمالية للتراث المعماري، شأنهم شأن من أفقده الانبهار بمدينة الغرب، القدرة على تقييم تراثه المادي.

يطرح المهندسون سؤالا مفاده: هل الأحياء القديمة تشكل عائقاً في اتجاه النمو العمراني؟

ويجيب المهندس محمود ناجي، من إدارة التخطيط والمساحة في بلدية دبي، مؤكداً أنها لا تشكل عائقاً في ما لو اتجه النمو العمراني بعيداً عن مركز المدينة، طارحاً في هذا خطورة التحديث والتمدين على حساب التراث، حيث يقول:

«تأخذ هذه الظاهرة قالب التطوير والتمدن بإقامة ألأبنية الحديثة على أنقاض الأبنية القديمة». ولكن هذه الظاهرة سرعان ما تصطدم بقوانين وتشريعات تطبقها بلدية دبي في هذا الخصوص(تشريعات البناء لعام 1970)، والشروط العامة لحدود البناء».

كما يوضح رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني أنه قامت بلدية دبي، حرصاً منها على الحفاظ على التراث العمراني المعماري بإمارة دبي، وبواسطة إدارة التخطيط ـ قسم المشاريع، وعن طريق نخبة من المهندسين المتخصصين، بتأسيس وحدة ترميم المباني الأثرية. وقامت وحدة الترميم بتنسيق أرشيف عن جميع المباني التاريخية والتراثية بالإمارة، بالإضافة إلى التسجيل الأثري لجميع المباني الأثرية والتراثية، وأيضا توثيقها.

وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، كما يضيف بوخش، حيث أنجزت بلدية دبي العديد من مشاريع الترميم، مثل بيت الشيخ سعيد ومدرسة الأحمدية وقلعة الفهيدي، إلى جانب عدد من الأبراج التاريخية. وكذلك ترميم وصيانة السوق الكبير، إذ تعتبر تلك المنطقة من أقدم المناطق في إمارة دبي، ولها قيمة تراثية واقتصادية كبيرة.

مفردات تراثية في المعمار الحديث

يتضمن التراث المعماري الإماراتي العديد من المفردات التراثية التي تستخدم في الحياة اليومية والبناء. وهي نابعة من واقع حياة الإماراتيين.

ويمكن أن نورد نموذج «البراجيل» كقيمة فنية وثقافية وجمالية، حيث لها وظيفة عملية تتمثل في تبريد الهواء في الجو الساخن للإمارات. وكذلك الزخارف الجصية، والتي لها أشكال جمالية لا تزال تُستخدم في الأبنية الحديثة كعنصر جمالي. كما يمكن اعتبار الباب والحائط والسقف والشباك من العلامات المعمارية الجمالية التي استخدمت بشكل واسع في تشييد مدينة الجميرا. ونجح المعماريون في استخدام العنصر القديم في الأبنية الحديثة.

وفي هذا الشأن، يرى الدكتور المهندس ياسر محمد منصور، من قسم الهندسة المعمارية في جامعة الإمارات، أن هذه المفردات تصلح لأن تكون عناصر جمالية في البناء: البراجيل، العقود (تُصب من الجبس)، المدخل، الحوش، الدراوي والحمائم، المدخلات الخشبية، الزخارف الجبسية.

وهي تصلح في الأبنية الحديثة، ويتم استخدامها في كثير من الأبنية الحديثة. ويتم في العديد من البلدان المتقدمة، استخدام الواجهات القديمة في الأبنية الحديثة، من خلال المحافظة عليها والبناء بمحاذاتها، بحيث تصبح الواجهات القديمة مرآة للبنايات الحديثة. ويدعم ذلك، قوانين وتشريعات تحافظ على القديم، وتبرز أشكاله المعمارية في الأبنية الحديثة.

الهوية المعمارية

تأثرت العمارة في منطقة الخليج والإمارات بالطفرة الاقتصادية الهائلة في السبعينات والثمانينات من القرن الفائت، وأدت هذه العملية إلى الاستعانة بالمعماريين الأجانب لندرة المهندسين المواطنين. وهنا يقول بوخش، حول تزاوج العمارتين المحلية والأجنبية:

« نظراً لعدم كفاءة كثير من هؤلاء المعماريين من الناحية العلمية وعدم دراستهم البيئة والتراث العمراني في منطقة الخليج. فقد أخرجت لنا أعمالهم الهندسية خليطاً من التصاميم والنماذج التي لا تمت بصلة إلى تراث أو بيئة المنطقة. وأنشئت مدن لا طابع أو هوية لها، لتحل مكان مدن تقليدية كانت تتسم بطابعها المعماري المميز والمستمد من البيئة المحلية وانسجامه مع الاجتماعي والديني».

لكن هذه الحالة لم تستمر طويلاً، إذ سرعان ما انتبه المسؤولون إلى أهمية الأبنية التاريخية وقاموا بترميمها والحفاظ على طابعها المعماري التقليدي. ومن أهم المباني التاريخية التي تم ترميمها:

حصن الفهيدي، المدرسة الأحمدية، بيت التراث، بيت الوكيل، مجلس الغرفة في منطقة الجميرا، وبرج نهار، ومربعة الشندغة، البراحة، الوعيل، قرية حتا التاريخية، وغيرها.

وهو ما أعاد لها قيمتها الفنية والجمالية، فحافظت على المباني التاريخية ذات الطابع المعماري المحلي المستمدة من العمارة التقليدية، لإضفاء الوحدة والتجانس على المباني.

المدن الهجينة

إن وجود البناء القديم مع نظيره الحديث، بات ينتج ما يمكن أن نطلق عليه«المدن الهجينة»، وقد تسرب هذا المفهوم إلى المدن العربية. ومن الناحية الثقافية، هي حالة أخذت تنتج العزلة وسط غياب مفاهيم التخطيط العمراني في غالبية منطقة الخليج والبلدان العربية الأخرى.

وأدت الطفرة العمرانية إلى هدم النسيج العمراني وإدخال أساليب معمارية هجينة تؤثر بدورها على ثقافة بكاملها. فالمدينة تنتج البشر وهؤلاء ينتجون المدينة. ولا تخاطب العمارة الغربية الحديثة بكل جمالياتها المعروفة البيئة الاجتماعية والاقتصادية لدينا.

ولعل أهم شيء يفتقده المعمار الحديث هو الحميمية، حيث غاب الحوش وكذا الباحة والألعاب والشمس والحركة والجيران، وهذا ما لا يوجد في ما يُسمى بالأقفاص المعلقة في الأبراج الشاهقة. ولعل غزو الأسمنت والسيارة غيرّتا من وجه البيت والمدينة على حد سواء.

فالأسمنت أقام الجدران والسقوف والطوابق، والسيارة فتحت الشوارع الواسعة من خلال تغيير التصميم العمراني. والسؤال الذي يطرحه المعماريون في هذا السياق هو:

هل يمكن توظيف القديم في المعمار الحديث؟

يبدو أنه لا حل أمام المدن الحديثة سوى ضّم المعمار القديم في البناء الحالي، ولذلك حرصت دبي على المحافظة على جميع البنايات التاريخية، ورممتها، بل وأعادت تأهيلها وتصميمها لتكون ذات نفع عام، كما هو الحال في البستكية والشندغة والسوق القديم.

وبذلك تمكنت دبي من المحافظة على المعمار القديم. وقد تمرست إدارة التراث العمراني في ترميم وصيانة البنايات التاريخية عبر ورشات الصيانة التي تشّغلها، بحيث منعت بيع البنايات التاريخية التي يمتلكها أصحابها وعدم السماح بالتصرف بها. ويقول الدكتور عبد الله العريان، من كلية الهندسة - جامعة الإمارات العربية المتحدة، حول نجاح التجارب العالمية في هذا الصدد وإخفاق بعضها عندنا:

«لقد عانت الحضارة العربية الإسلامية طويلاً من تقسيم تاريخها إلى فترات أو حقبات تاريخية بلا ترابط، ما أدى إلى حدوث طفرات لم تستطع المجتمعات إدراكها، الأمر الذي أدى بالتالي إلى تناقض في الواقع العمراني التراثي. ولا شك أن تأكيد المحددات والعناصر التراثية بما يتلاءم واحتياجات المجتمع الحالية، هو الطريق للحفاظ على التراث العمراني».

إن كثيرا من المعماريين يحذرون من طغيان المدن الهجينة التي تشكل تناقضاً في الحياة والمجتمع، ذلك لأنها ترسخ ثقافة جديدة طارئة على البيئة المحلية والهوية الوطنية.

شاكر نوري