يتظاهر الأوروبيون لأجل منع اتساع ثقب الأوزون، ويتظاهرون لأجل إنقاذ الحيتان التي تنتحر بشكل غامض على الشواطئ، ويتظاهرون لنجدة القطط الشاردة في شوارع المكسيك، وينادون للتظاهر لأجل رفع الضرائب عن معاشاتهم التقاعدية، وعلى ذكر تقاعدهم، قال لي صديق يعيش في باريس منذ ثلاثين سنة:
(ان حياتي بدأت بعد التقاعد)، أي بعد بلوغه الستين، حيث تقل هموم العائلة (عائلته صغيرة ) وتندثر منغصات العمل، وتضمن الدولة الفرنسية حق العلاج والمأوى، وليس على الستينيين سوى شد الرحال إلى الشرق لمشاهدة الحياة البكر! ومن لا يأتي إلى بلادنا يتظاهر في بلاده ضد رفع أسعار الوقود ليتسنى له السفر والسياحة هانئ البال.
الأوروبي المتحضر ينجب طفلاً واحداً وإذا كان غير ذلك ينجب طفلين أو ثلاثة، بينما العربي المتعلم ينجب نصف دستة من الأطفال وإذا كان من غير المتعلمين ينجب ما يفيض عن عشرة أطفال، فإذا فاخر الأوروبي بشجاعته العلمية والبحثية فإن العربي يفاخر بكثرته العددية. والكثرة تغلب الشجاعة، وكأنه لم يسمع يوماً بما قاله السموأل :
تعيرنا أنا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل
وإلى ذلك تخاف الأمم من كثرتنا ولا تخاف من أفعالنا، فتلك تركناها لهم ليتظاهروا دفاعاً عن البيئة التي يجب ألا نلوثها أو المياه التي يجب عدم هدرها، وترانا في المقابل نسخر منهم لأنهم ينشغلون بالدنيا كأنهم يعيشون أبداً!
إن الاحتجاج ليس موقفاً سياسياً، بل موقف أخلاقي من قضية تمس حياتنا، ولطالما كان الاحتجاج رسالة تحمل في مضامينها ردة فعل، وإذا عرفنا الاحتجاج يوماً فهو الصمت، فلا ردة فعل ولا مقالة نقد ولا صيحة غضب، حتى كاد الصمت أن يتحول إلى لا مبالاة، والعرب قالت قديماً ( السكوت يعني الرضى )، لذلك نصمت أو نسخر أو نضحك، ليس فقط لا نتظاهر أو نحتج بل نسخر من المتظاهرين وننعتهم بقلة الانشغال وتضييع الوقت والانصراف إلى توافه الأمور.
إذا كان الأوروبيون منشغلين بتوافه الأمور حقاً، ترى ما الذي يشغلنا حتى لا نحتج على ما يمس حياتنا، هل كل شيء (أوكيه) و(فاين)؟ وهما الكلمتان الدارجتان على لساننا دوما وتعادلان المصطلح العسكري (تمام يا افندم ) وتزيدان نحو الرضى والقنوع، وهكذا نعيش بسلام وأمان ولا نامت أعين الجبناء!
