إذا كان القرن العشرون قد عرف الكثير من الاختراعات الكبرى في تاريخ الإنسانية فإن «الغزل» هو اختراع يعود إلى العصور القديمة، بل إلى فترة ما قبل التاريخ كما يقول جان كلود بولون، الفيلسوف والمؤرخ والكاتب الفرنسي، الذي جعل من التأريخ للمشاعر الإنسانية موضوع بحثه الأول. وقد عرفته رفوف المكتبات الفرنسية قبل فترة وجيزة كتاب جديدا له تحت عنوان: «اختراع الغزل».
إن المؤلف يؤرخ لظهور «الغزل» وتطوره في فصول الكتاب ابتداء من «الأصول وفترة ما قبل التاريخ والأساطير» ووصولا إلى «الغزل في القرن العشرين» ومرورا ب«فن الحب عند اليونانيين والرومانيين القدماء» ثم «الافتتان أو الزواج في العصور الوسطى» و«قوانين مقاربات الحب في القرن التاسع عشر، العصر الذهبي من عصر النهضة إلى القرن الكبير»، وفصل أيضا عن «استراتيجيات الحب الجديدة في عصر التنوير».
من الواضح أن موضوع هذا الكتاب هو «الغزل» في المجتمعات الغربية الأوروبية تحديدا. ويبدأ المؤلف بالتساؤل عما إذا كان يمكن كتابة تاريخ للغزل. ذلك أنه يختلف من فرد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر. ثم كيف يمكن الشروع بغزل، تلك أو ذلك الذي يراد التقرّب منه؟ يتساءل المؤلف، ويجيب أنه لكل حقبة «قوانينها» و«قواعدها»، ذلك أن المعنيين بالغزل اخترعوا «كمّا كبيرا من الاستراتيجيات ومن أشكال المناورة لمقاربة الغزل».
ويؤكد المؤلف أن لكل حقبة «قانونها» في الغزل، ثم إن هذا القانون لا يكون مطبّقا على مختلف شرائح المجتمع. ويسأل المؤلف: ماذا نعرف عن فن الغزل لدى الفلاحين في العصور الوسطى أو لدى أهل باريس خلال القرن التاسع عشر؟ كما تتم الإشارة إلى صعوبة التأريخ الدقيق للغزل بسبب تعدد المصادر وتنوّعها منذ كتابات «اوفيد» قديما عن «فن الحب» وحتى سلسلة «مرشد الحب» الطويلة في عصر النهضة ووصولا إلى ما تزخر فيه المكتبات اليوم بهذا الميدان.
ثم هناك «بعض الاتجاهات» في الغزل تكون محصورة بفئة اجتماعية معيّنة.ويشير المؤلف إلى ارتباط بعض «أنواع» الغزل بفئة محددة. هكذا يجد في الحب «الغزلي» مثلا اختراعا من قبل الفرسان في العصور الوسطى. وقد شكّلت تلك الطريقة في الغزل تحوّلا باتجاه «تلطيف العادات القاسية» التي عرفتها الأزمنة القديمة حيث حلّ الكلام «اللطيف» مكان «الصيغ الصارمة».
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات الكمّ الكبير من المفارقات والتناقضات التي عرفتها أوروبا على صعيد العلاقات بين الرجل والمرأة منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، ويبيّن كيف أن تلك الفترة عرفت «تعايش» الإخلاص في الحب والنقاء في المشاعر إلى جانب البحث عن المغامرة» والبحث عن المتعة.
ويذكر المؤلف في هذا الإطار أن «الأدوار» كانت تنقلب في بعض الأحيان كي تقوم النساء بالشروع في «الغزل».وفي عصر التنوير الأوروبي ؟ القرن الثامن عشر - ظهرت الميول نحو «تحرير» خطاب الغزل تدريجيا وصولا في بعض الحالات إلى الحديث صراحة عن الرغبات الجسدية على غرار ما كان قد عرفه قصر لويس الخامس عشر.
هذا مع تأكيد المؤلف على ضرورة التمييز خلال تلك الفترة كلها بين المرأة كزوجة يستوجب احترامها وحيث كانت الأسر هي التي تقرر الزيجات حتى القرن التاسع عشر وبين المرأة كعشيقة التي كانت تحظى بالكثير من الاهتمام واستخدام «جميع الأسلحة» اللطيفة لكسب ودّها. وتتم الإشارة هنا إلى فئة ثالثة من النساء، نساء «العامة» والطبقات الفقيرة التي كان دورها الأساسي هو «الانصياع» لرغبات الرجل باسم «الواجب».
لكن هنا استمرّت بعض العادات القديمة والجديدة في «التعايش». ويحدد المؤلف القول إن القرن التاسع عشر هو الذي عرف بروز «الصور» التي تؤكد على «الرجولة» مثل الرياضي والعسكري و«الرجل المحبوب» من جماهير النساء.
لكنه بالمقابل هو أيضا قرن «العاشق الرومانسي»، على غرار «أبطال» روايات ستاندال ومثل العاشق الذي يعرف كل ألوان «العذاب» بل و«قد يحاول الانتحار» من أجل الفوز بمن يحب.
ويربط المؤلف في تحليلاته بين التقدم التقني والتكنولوجي الذي ترافق مع المخترعات الجديدة، خاصة الآلة التجارية والمحرّك الانفجاري والكهرباء وبين ظهور «منظومات» جديدة على صعيد لغة العواطف.
هكذا أصبحت «البطاقات البريدية» و«الطوابع» تحمل «مشاعر القلوب» و«كلمات الغزل» اللطيفة. كذلك غدت وسائل المواصلات و«الرحلات في قطار الشرق السريع» و«محطات التزلج على الجليد» أماكن للقاء و«الغزل».
ومرحلة أخرى من التبدّل حلّت في المجتمعات الغربية عامة على صعيد «الغزل» والعلاقات بين الرجل والمرأة مع وصول «حبوب منع الحمل» و«وسائل منعة» خلال سنوات الستينات من القرن الماضي «العشرين». ويصف المؤلف التبدّل الذي حصل أنه «قطيعة» كبيرة. ذلك على أساس أن مجتمعا يولي مساحة واسعة لأوقات الفراغ ولتحرير العادات لا بد وأن يسمح، كما يشرح المؤلف، بعلاقات أعمق بين الجنسين.
هذا مع الإشارة إلى أن عالم «الغزل» لم يعد مقصورا على الفارس، الرجل، بل أصبحت المرأة تمارس أيضا «خياراتها» العاطفية.الصفحات الأخيرة من الكتاب مكرّسة للحديث عن الغزل في عصر الانترنت، حيث تتيح «الشبكة العنكبوتية» أداة هائلة للتواصل «الافتراضي» على الأقل واستخدام «لغة جديدة» افتراضية هي الأخرى، في الغزل.
الكتاب: اختراع الغزل
تأليف: جان كلود بولون
الناشر: بوان - باريس 2010
الصفحات: 385 صفحة
القطع: المتوسط
L'invention de la drague
Jean-Claude Bologne
Points - Paris- 2010
385p.
