ماذا بقي من ألوان طفولتنا؟ وماذا خزّنت ذاكرتنا من المشاعر والأحاسيس حيال قميص أحمر أو درّاجة صفراء أو شقائق النعمان في الحقول وترسّخت كلها منذ سنوات الطفولة؟ وهل رافقتنا تلك المشاعر والأحاسيس فترة طويلة من مسيرة حياتنا؟

وهل لها علاقة بذكريات حبّنا الأول وبسنوات دراستنا وفترة تحوّلنا إلى شباب بالغين؟ وكيف تندرج الألوان في مجال الذاكرة؟ وكيف تستطيع «إنعاش» هذه الذاكرة؟ باختصار ما هي حقيقة علاقتنا مع الألوان«؟مثل هذه الأسئلة والعديد غيرها يطرحها المؤرخ الفرنسي، مؤرّخ «الألوان»، كما يقدّم نفسه، ميشيل باستورو في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «ألوان ذكرياتنا». وهو يحاول فيه الإجابة عليها من خلال «يومياته» على مدى ما يقارب الستين سنة ما بين 1950 و2010. إن المؤلف يؤرخ في واقع الأمر للألوان في فرنسا وفي أوروبا منذ أواسط القرن العشرين وحتى اليوم. هذا بالاعتماد على ذكريات شخصية وملاحظات كتبها مباشرة خلال مشاهداته وأفكار وآراء علمية وتاريخية جمعها على خلفية اهتمامه واختصاصه.

ويؤكد المؤلف القول إنه إذا كنّا نعيش في عالم «ملوّن أكثر فأكثر» فإن اللون نفسه يبقى «مكانا للذاكرة» و«مصدرا للمتعة» و«دعوة للحلم»، حسب تعبير ميشيل باستورو الذي «يغرف» من ذاكرته ما تحتويه في جعبتها من الذكريات التي لعبت فيها الألوان دورا خاصا ثم يلقي على كل من هذه الذكريات ما يجده مناسبا من مفاهيم.

هكذا يعود مثلا إلى ذكرى تلك «الدراجة الصفراء» التي كان والده قد أهداها له عام 1960، عندما كان عمره 13 سنة. لقد أراد أبوه أن يُدخل السرور إلى قلبه يومذاك. لكن كانت هناك مشكلة كبيرة تمثّلت بالنسبة للولد ب«اللون الأصفر الفاقع» للدراجة.

وذلك ما لم يكن «المراهق» يستطيع تحمّله إلى درجة أنه رفض الهديّة وعاد على قدميه إلى المنزل أمام دهشة والده وصاحب متجر بيع الدراجات.إن المؤلف يعود إلى نوع من «التحليل الذاتي» لفهم سبب رفضه للأصفر «الفاقع». ويشرح أن هذا اللون كان قد أصبح، خاصة عند أصحاب متاجر بيع الدراجات، هو لون الفائزين منذ اختياره لون سترة الفائز بسباق الدارجات في فرنسا منذ تنظيمه عام 1919.

فهل اعتبر الفتى يومها أن والده أراد أن يضعه أمام تحدّي الفوز؟ ربما، كما يقول اليوم. ويضيف أن رفضه كان بالأحرى تعبيرا عن شعور أعمق وهو ارتباط اللون الأصفر منذ العصور الوسطى بالخيانة. وهنا يشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات «العلاقة» تاريخيا، بين اللون الأصفر ومظاهر عدم الاحتفاء فيه منذ القديم.ويربط المؤلف بين «وجود» اللون وبين «رؤية» الآخرين له.

هذا على أساس مقولة كان الشاعر الألماني الكبير غوته قد صاغها في دراسته حول الألوان بالقول: «هل يستمر ثوب أحمر بالبقاء أحمر اللون إذا لم ينظر إليه أحد«؟. ويجيب غوته ب«كلا»، وكذلك يجيب أيضا «ميشيل باستورو»، مؤلف هذا الكتاب.

وهو يبرر ذلك بالعودة إلى الأصول الأولى لشغفه بالربط بين «التأمل العام»، الفلسفي، وبين حكايات وذكريات شخصية قديمة. وما يركز عليه المؤلف القول هو أن الألوان لا ترتبط في ذاكرته بصور. ولكن بأفكار ومفاهيم وأنماط من السلوك لها مدلولاتها. نقرأ: «إن الألوان هي قبل كل شيء مفاهيم وأفكار وتبديات فكرية. ثم هي كلمات، أي دلالات تختلف في الزمان والمكان وتأخذ غالبا مسافاتها عن الواقع.

وعندما نتحدث عن الألوان نجد أنفسنا محكومين باستخدام هذه الكلمات. وأخيرا الألوان هي مواد وأنوار وأحاسيس».والألوان هي أيضا «ذكريات». هذا ما يؤكده المؤلف من خلال سيرته الذاتية التي تجد العديد من محطاتها مكانها في الكتاب. أنه يتحدث عن ألمانيا الشرقية «سابقا» بعد زيارته لها أنها كانت «رمادية- سمراء تثير الإحباط». ويجد أن «اللون الأخضر الإداري» المكرّس لجدران الأبنية المدرسية يسمح بالتفكير حول الذوق الفنّي للموظفين.

وعبر «الألوان» وذكرياتها يتم الحديث عن الحياة اليومية وعن الروابط مع الأشياء والرموز. ولا يستبعد في هذا السياق أن يكون ولعه بالألوان مرتبطا ب«قلم الحبر» الذي كان يكتب بألوان أربعة وكانت عمّته قد قدمته له.

ويحدد المؤلف القول أن مفهوم الألوان هو «ظاهرة ثقافية». ذلك على أساس أن المجتمع «يصنع» اللون «أكثر من الطبيعة والعين والدماغ»، ويحدد، أي المجتمع، مدلول اللون وقيمه ورهاناته. هكذا أصبح «الأحمر» يدل على «الممنوع»، كما تدلّ إشارات المرور، والأسود لون «الحزن والخطر» ويقال عن الأصفر أنه «يجلب التعاسة» والأزرق لون الأمل.

ويؤكد المؤلف في المحصلة أنه ليس من السهل «تعريف» اللون. فالتعريفات تختلف، حسب الحقب، بل وتختلف في الحقبة المعاصرة بين القارات. وكل ثقافة تعرّف اللون «حسب محيطها الطبيعي ومناخها وتاريخها ومعارفها»، كما يكتب المؤلف.

ويضيف: «في ميدان اللون لا تشكّل المعارف الغربية حقائق مطلقة وإنما هي معارف بين أخرى». في سنوات السبعينات جرى النظر إلى مواضيع التأريخ للثياب والرموز والألوان على أنها «قليلة الجديّة»، لكن الأمر مختلف اليوم مع أعمال مؤلف هذا الكتاب «ميشيل باستورو».

الكتاب: ألوان ذكرياتنا

تأليف: ميشيل باستورو

الناشر: سويل باريس 2010

الصفحات: 257 صفحة

القطع: المتوسط

Les couleurs de nos souvenirs

Michel Pastoureau

Seu il - Paris- 2010

257p.