«حمى البحث عن الترف، اللوكس»، هذا هو عنوان كتاب وصفه جورج اكيرلوف، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001، على انه «أحد أهم المساهمات في علم الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة».
مؤلف الكتاب روبرت ه. فرانك، الأستاذ في جامعة كورنيل بالولايات المتحدة يشرح على مدى فصوله ال17 مدى الآثار السلبية للإنفاق الكثير على البحث عن الترف والرفاهية بالنسبة للمجتمع الأميركي اليوم. وهذا ما يؤكده بوضوح في الجملة التالية: «هناك وسائل أخرى لإنفاق وقتنا ومالنا».ثم يشير مباشرة بعد كتابته هذه الجملة إلى الصعوبة الكبرى التي واجهها هو شخصياً في استبدال «موقد الشواء، المشواة» الذي كان قد اشتراه منذ سنوات الثمانينات المنصرمة ب90,89 دولاراً، بينما جميع المواقد التي عرضوا عليه شراءها حالياً يترواح ثمنها بين 1000 و5000 دولار.
ويشرح المؤلف أن العقدين الأخيرين عرفا زيادة كبيرة ومتواصلة في استهلاك السلع «الراقية، غالية الثمن» بالولايات المتحدة الأميركية. هذا إلى درجة أن السلع «العادية»، التي يستهلكها عموم الناس عادة، لم تعد متوافرة، أو «لم تعد مقبولة» من قبل المستهلكين. هكذا على سبيل المثال «غدت السيارات أكبر حجما وأكثر وزنا وأغلى سعراً».
يكتب المؤلف: «إن موقد الشواء الذي اشتريته في سنوات الثمانينات بدأت حالته بالتدهور منذ فترة». وبعد أن يشرح بالتفصيل «معاناته» في استخدامه بسبب الخلل الذي أصاب آلية «شرارة إشعال الموقد» ولجوئه إلى استخدام «أعواد الثقاب» وصولاً إلى تأكيده أنه تصور إمكانية حدوث «انفجار» في الأفق القريب. ثم تساؤله: «هل يمكن إصلاح هذا الموقد؟ لكن من سيفعل ذلك؟ لا أعرف.
لكن حتى لو أنني عرفت فإن كلفة التصليح ستتجاوز حتماً ثمن الموقد نفسه. هكذا وجدت نفسي، للأسف، مرغماً على البحث عن إمكانية الحصول على آخر».
ثم يطرح المؤلف، بناء على تجربته في صعوبة، إن لم تكن استحالة، العثور على موقد آخر بسعر معقول تسمح به «ميزانيته»، أسئلة أكثر جوهرية من نوع: ما الذي يدفع الأكثر ثراء لإنفاق مبالغ جنونية من أجل الحصول على أشياء باهظة الثمن؟ وما هو ثمن مثل هذا المسعى بالنسبة للأفراد وبالنسبة للمجتمع؟
في محاولة للإجابة على مثل هذه الأسئلة يدرس المؤلف العلاقة بين العادات الاستهلاكية للمجتمع الأميركي في سياق اهتمامه وبين البحث عن السعادة. وهو يكشف أن استهلاك السلع والمنتجات الراقية «اللوكس» والغالية الثمن بالضرورة يرتبط غالباً بالحرص على «الارتقاء» بالمكانة الاجتماعية للمعنيين بذلك الاستهلاك.
ويشرح المؤلف أنه إذا كانت النفقات الباهظة لا تثقل كثيراً على «جيوب الأثرياء» فإن لها آثارها الأكيدة، كما يؤكّد، بالنسبة للمجتمع. حيث إن كل العلاقات الاجتماعية والإنسانية، مهما كانت درجة أهميتها للمعني وللمحيطين به، تتم «التضحية» بها «من أجل البقاء في مضمار السباق» على الأغلى والأرفع في هرم القيم الاجتماعية السائدة.
إن المؤلف يؤكد في تحليلات الكتاب أن «القوى المتنافسة في السوق» تمثل السبب الرئيسي في العديد من الصعوبات التي تعاني منها الطبقة الوسطى وأكثر منها الطبقات الأكثر بؤساً في المجتمع. والحل؟
إن المؤلف يطالب بضرورة اللجوء في بلاد مثل أميركا إلى «إصلاح ضرائبي» عميق، من أجل الحد من الآثار السيئة و«الانحرافات» المترتبة على أنماط الاستهلاك السائدة اليوم.
ذلك على خلفية ما قدّمه من براهين متكاملة وعلى قدر عالٍ من العلمية أن «خيارات الإنفاق» الأميركية اليوم ليست هي التي يمكن أن تجعل الأميركيين أكثر سعادة، وهي بالتأكيد، حسب وجهة نظر المؤلف، ليست الأكثر صحة.
الحل الذي يقترحه المؤلف أمام هذا كله ليس فرض رسوم إضافية على سلع ومنتجات الرفاهية، ولكن بالأحرى فرض نوع من الضريبة «التصاعدية» على استهلاك كل أسرة.
مثل هذه الضريبة لن يكون لها أثرها السلبي في الصناعة من جهة، وتوفر كما يقدمها المؤلف مليارات الدولارات التي يمكن استخدامها في تحسين الحياة اليومية للأميركيين. إنها «المليارات السهلة»، نظرياً على الأقل.
إن التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب هي ذات طابع اقتصادي واجتماعي بالدرجة الأولى على خلفية تعاظم النشاط في بعض الأسواق مثل قطاعات الرياضة والخدمات ذات الطابع الاستعراضي. ويقارن المؤلف في هذا السياق بين الاستهلاك ل«غايات استعراضية» ترمي إلى رفع المكانة الاجتماعية وبين الحصول على الأسلحة بالنسبة للجيوش. في الحالتين يبقى الهدف المحافظة على موقع متقدّم «في السباق» أو الحصول على «ترتيب أفضل» بين المتسابقين.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه عندما أراد الملياردير اليوناني أوناسيس، زوج جاكلين كيندي بعد وفاة زوجها الرئيس الأميركي جون كيندي، بناء سفينة «يخت» طولها 100 متر، لم يتأخر منافسه «نياركوس» عن طلب بناء «يخت» خاص به طوله 114 متراً.
وبهذا المعنى تبقى الرفاهية «نسبية» ويتم قياسها ب«الفارق» بين موقع المتنافسين في ما بينهم من جهة، وبين هؤلاء «مجتمعين» وبين «الآخرين» من جهة أخرى. وينقل المؤلف في هذا الإطار القول الشائع: «الرجل الغني هو ذلك الذي يكسب مائة دولار أكثر من زوج أخت زوجته».
تبقى المشكلة الأساسية دائماً هي العلاقة بين مستوى الدخل ومستوى الاستهلاك، وحيث إن «عدم الرضى» هو القاعدة إذا جرت المقارنة مع الآخرين.
الكتاب: حمّى البحث عن الترف «اللوكس»
تأليف: روبرت ه. فرانك
الناشر: جامعة برنستون 2010
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Luxury fever
Robert H. Frank
Pri nceton University Press - 2010
336p .

