لا يخفى على أحد أن الإنسانية تواجه اليوم أحد أكبر الأزمات التي واجهتها طيلة مسيرتها التاريخية. بل وهناك العديد من الأصوات التي تقول إنها مهددة بوجودها بسبب الأخطار الناجمة عن التغيّر المناخي.
ويتفق الجميع أيضا أن للبشر أنفسهم مسؤولية كبيرة فيما آلت إليه الأمور ولا بد من أن يتحملوا بالتالي مسؤولياتهم وقبل كل شيء أن يغيّروا من نمط سلوكهم جذريا. وهذا يعني أن الأزمة البيئية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي بجزء كبير منها أزمة «أخلاقية».الباحث والأستاذ الجامعي الفرنسي «برنار شيو» يقدّم كتابا كاملا ليشرح فيه ضرورة أن يغيّر البشر نمط سلوكهم في قطاع السياحة الذي يعتبره من أكثر القطاعات حاجة لإعادة النظر في الآليات المطبقة فيه. عنوان الكتاب هو «من السياحة المستدامة إلى السياحة العادلة».
إن المؤلف يربط في هذا العمل بين المسائل الأخلاقية التقليدية والحديثة منها، بالاهتمام الذي تبديه المجتمعات الإنسانية عامة بتحقيق ما يسمى ب«التنمية المستدامة». ويتم في مثل هذا المنظور تقديم رؤية شاملة «بانورامية» للسياق الأخلاقي الذي ينبغي أن تندرج في إطاره «سياحة الغد».
الخطوة الأولى في التحليلات المقدّمة تتمثل بالقيام بعملية تشخيص لأشكال «الخرق» العديدة التي يواجهها قطاع السياحة في السياق الحالي. يلي هذا تحليل مختلف المبادرات المطروحة من أجل تشجيع «ممارسات سياحية أخرى».
لكن تبقى الخطوة الأولى في المسيرة التي ينبغي أن تؤدي إلى أن يقبل المعنيون بالظاهرة الثقافية إعادة النظر بسلوكياتهم. إن السياحة تشكل نشاطا اقتصاديا هاما في عالم اليوم ولذلك هناك مصلحة للجميع من أجل «تحسين شروطها» بحيث تغدو «سياحة أخلاقية»، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب. وليس صدفة أن القسم الأول من هذا العمل يحمل عنوان: «المنظومة الأخلاقية».
ويحدد المؤلف القول بداية: «إن السلوك الأخلاقي يتطلّب التساؤل حول طريق السلوك وطريقة العيش وفن العيش (...) ولا بدّ من تقديم إجابة على هذا التساؤل».
ثم إن السلوك الأخلاقي يمتلك بطبيعته «بعدا كونيا، يونيفرسال». وهنا تبرز مشكلة يحددها المؤلف بالقول بوجود نوع من المواجهة بين رغبة العيش مع الآخرين ومن أجلهم «في إطار مؤسسات عادلة « وبين التنوّع الثقافي والأخلاقي الذي تمكن ملاحظته في العالم. والذي يبدو بوضوح عند انتقال السائحين من بلد إلى آخر.
وإذا كانت المسألة الأخلاقية في السلوك مطروحة على جميع البشر فإنها أصبحت اليوم ضرورية وملحة أكثر في مواجهة التحدي الذي تفرضه الأزمة البيئية. ويرى المؤلف أن «الأزمة البيئية ـ الإيكولوجية ـ الراهنة تدعونا إلى إعادة التفكير بعلاقتنا مع العالم وأن ندرج هذه الأزمة في تساؤلاتنا ذات الطابع الأخلاقي».
ويتعرض المؤلف في هذا الإطار إلى العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ويرى أن الحداثة وما بعدها تميّز بالفصل بين الإنسان والطبيعة. لكن مثل هذا «الفصل» تضاءل عمليا منذ سنوات الثمانينات المنصرمة عندما أدخلت «ثقافة البيئة» والدعوة لحمايتها نوعا من «الرابطة الأخلاقية» بين البشر والطبيعة، مع الإشارة أن مثل هذه الرابطة تجد أصداءها في أفكار سقراط وأفلاطون.
وبعد أن يحدد المؤلف مضمون ما يسميه ب«السلوك الأخلاقي» يجد أنه من الضرورة ترجمة هذا المضمون إلى سلوك عملي والإجابة على عدد من المسائل. أول هذه المسائل تلك المتعلّقة بالرابطة بين السلوك الأخلاقي والتنمية المستدامة في منظور إيجاد حالة توازن بين ثلاثة أقطاب اقتصادية واجتماعية وبيئية.
وبعد أن يطرح المؤلف مجموعة من المبادئ الأخلاقية في السلوك العام للبشر يحاول في القسم الثاني من الكتاب الإجابة على السؤال التالي: وأية منظومة أخلاقية بالنسبة للسياحة؟ وهو يتحدث أولا عن طبيعة السياحة باعتبارها ظاهرة عالمية مزدهرة ومتنامية كما يدل واقع أنها تمثل اليوم 8,2 بالمئة من مجالات تأمين فرص العمل و4,3 بالمئة من إجمالي الإنتاج العالمي. وهناك 924 مليون في العالم معنيون، بدرجة ما، بالنشاط السياحي وبتوزيع «غير عادل».
ويشرح المؤلف في فصل كامل يحمل عنوان «السياحة الملعونة» سلسلة المشاكل التي يواجهها قطاع السياحة، وليس أقلها أن هذا القطاع يتطلب أعمالا قليلة التأهيل وغالبا لا تحتاج إلى عمل يوم كامل وقد تكون ذات طابع موسمي وبكل الحالات قليلة الأجر غالبا.
وقد تنحرف السياحة أحيانا مثل «السياحة الجنسية». وإذا كانت تشجع التنمية فإنها تطرح مشاكل على الأصعدة المحليّة ولها آثارها على البيئة من خلال استهلاك المياه وإلقاء الفضلات والتلوث، الخ.وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يقدّم المؤلف ما يعتبره «المبادرات» التي يجد أنها جديرة بالانضواء تحت عنوان: «السياحة المسؤولة». وتتم هنا دراسة دور المؤسسات المعنية مثل المنظمة العالمية للسياحة ومختلف هيئات الأمم المتحدة المعنية.
ولا شك أن هذا الكتاب كبير الفائدة لكل المعنيين بقطاع السياحة والتحديات التي سيواجهها مستقبلا ولأخلاقياته المطلوبة.
الكتاب: من السياحة المستدامة إلى السياحة العادلة
تأليف: برنار شيو
الناشر: دوبويك باريس 2009
الصفحات: 331 صفحة
القطع: المتوسط
Du tourisme durable au tourisme équitable
Bernard Schéou
De Boeck -Paris 2009
331p.

