يستهل الباحث، د.محمد الصادق عفيفي، فصول كتابه، بالتشديد على أنه لعل التيار العلمي عند المسلمين، بدأ مع سيدنا آدم، حين ما هبط من الجنة إلى الأرض ليعمرها، وكان سيدنا آدم مزودا بجميع أنواع العلوم . وأخذ أبناء آدم العلم..

إما بالإلهام أو التجربة أو الحيلة». ويستدل الكاتب على ذلك بما وقع مع أبناء سيدنا آدم: قابيل وهابيل. ويشير المؤلف إلى أنه بينما يذهب المفكر جورج سارتون، إلى أن بداية كانت العلم حين عمد الناس إلى حل معضلات الحياة، في محاولاتهم الأولى، وان كانت حلولهم وقتية، ومع مرور الوقت خضعت هذه الوسائل للتقويم والتبرير والتبسيط والترابط والتكامل.. وهكذا بدأت تنشأ مادة العلم. كما يذهب البعض إلى أن العصر العباسي، هو بداية عصر النهضة العلمية عند العرب.. بينما يرى الكاتب أن البداية كانت مع بدايات الوحي الإلهي.

ويشرح المؤلف هنا أن فريضة على كل مسلم ومسلمة، جعل المعرفة شرطا من شروط الإيمان. كما أن للعلماء منزلة مميزة وخاصة، ومن ثم أن الإسلام يدعو إلى العلم الذي يحفظ البشرية. والأحاديث النبوية التي تحض على العلم كثيرة ومتعددة وشهيرة.

وينتقل عفيفي ليبين انه في العصر الأموي بدت الدعوة إلى تحصيل العلم، والسعي للتحصل عليه، جادة.. حتى أن «خالد بن يزيد بن معاوية» يبعث برسالة إلى أبيه بعد مهمة علمية، لتحصيل مادة الكيمياء يقول فيها:

»وبلغ يزيدا حين يتلو رسالتي.. وقل: خالدا، قد نال ما كان راجيا. ألا قد ملكت (الشمس) و(البدر) عنوة .. وحزتهما من بعد طول غنائيا».وبعد ذلك، في العصر العباسي، فتح الباب على مصراعيه، فوصل التطور إلى قمته، بالقياس إلى العصور السابقة.

وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء والأدباء والفقهاء، يقومون بدورهم في النهضة الروحية والنفسية والأخلاقية. بز علماء في العلوم الطبيعية، من أمثال: ابن سينا، ابن الهيثم، جابر بن حيان، ابن النفيس، الرازي، الخوارزمي.. وغيرهم، في علوم: الكيمياء، الفلك، الضوء، الطب.. وغير ذلك.

حتى قال المنصف من مؤرخي الغرب، أمثال كاربنسكي: إن الخدمات التي أداها العرب للعلوم غير مقدرة حق قدرها من المؤرخين». وهكذا فإن البحوث الحديثة دلت على عظم ديننا، وعلى أن العرب لم يقتصروا على نقل علوم الإغريق بل زادوا عليها، وقاموا بإضافات مهمة في ميادين مختلفة.

وإن أشاع البعض أن اللغة العربية لا تصلح، كلغة للعلم، تأكد للجميع أنها كانت لغة العلم طوال فترة القرون الوسطى (بل اللغة العالمية) في المعاهد الإسلامية: جامعة القرويين بالمغرب، جامعة قرطبة بالأندلس، وبالرم بصقلية. وكلها وغيرها كانت محجة طلاب العلم. ومنهم (البابا سلفستر الثاني) الذي درس في الأندلس، ودرس الأرقام العربية، ثم نقلها إلى أقطار أوروبا، وهى التي مازالت تستخدم حتى الآن.

كما كانت علاقة العرب بالترجمة نشطة وفاعلة، تلك التي تعني التواصل بمن سبق والتمهيد للجديد. فقد كانت العرب في جنوب الجزيرة العربية وشمالها ؟قبل الإسلام- دول ذات شأن، ونقلت عن الفارسية والرومانية والسريانية والحبشية والقبطية، بفضل رحلات العرب داخل الجزيرة وخارجها.

ويؤكد الباحث عفيفي أنه لعل نشاط الترجمة بعد الإسلام يعود إلى: طلب الحكمة التي أمر بها القرآن، كثرة احتكاك العرب مع غيرهم من أصحاب اللغات الأخرى، اتساع الدولة الإسلامية تسابق الخلفاء على رعاية العلم والعلماء، فمنذ أبي جعفر المنصور والرشيد والمأمون أصبح النقل والترجمة من سياسة الدولة. وكانت أول ترجمة ذات طابع علمي في العصر الأموي، كانت على يد خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى704م.

وقد عرف العرب الترجمة الحرفية، والتي يعاب عليها أنها تبدو بدون سياق يربط الموضوع، نظرا للترجمة كلمة بكلمة وحرفا بحرف. والترجمة المعنوية التي تعتمد على المعنى العام والصياغة في سياق مشترك.ونتيجة للترجمة التي نشطتن رحب أفق الثقافة العربية، فوسع علوما وفنونا وفلسفات، وبلغت الترجمة ذروتها مع العصر العباسي، حيث كانت حضارة العرب قد تفتحت وانتشرت، ما أنتج ثراء القاموس العربي بما أدخل عليه من مفردات جديدة.

وبالترجمة حمل العرب عبء الحفاظ على التراث الإنساني لمن سبقوهم، ثم أضافوا إليه الكثير. وأشهر المترجمين: حنين بن إسحاق (194- 260ه)، قسطا لوقا البعلبكي (205- 300ه)، أبوزكريا يحيى بن عدي (364- ... ).

الكتاب: تطور الفكر العلمي عند المسلمين

تأليف: د.محمد الصادق عفيفي

الناشر: سلسلة العلوم والتكنولوجيا الهيئة المصرية للكتاب 2010

الصفحات: 354 صفحة

القطع: الكبير

السيد نجم