يسعى مؤلف الكتاب، حميد زنار، عبر المداخلات التي تضمنتها أبحاثه، إلى «تبيان استحالة وهراء التوفيق بين بعض المسائل والاشتراطات الإسلامية ومتطلبات الزمن الحديث.
وحتى يبعد عن فصول الكتاب -ما تفيض به القراءات النقدية المماثلة من طروحات نظرية- استأنس الكاتب بشهادات من خبر مرارة العيش من نساء ورجال، في بلدان محددة. وإمعانا في إضفاء الواقعية على نصوص كتابه، استعان زنار بالتحقيق الصحافي، معتمدا بنحو خاص على التجربة الذاتية والملاحظات العينية والذهنية المباشرة، منتقلا من الذاتي إلى العام، ومن المكتوب إلى الملموس. ويطلق زنار مجموعة انتقادات لاذعة، تنسحب على واقع عربي هش، يبداؤها بالمد الأصولي الذي بات يحول بلداننا إلى ارض للمواجهة. وهنا نجد المؤلف يعيب على الجميع الصمت إزاء رواج وتبجح فكر هذه الجماعات، والتي أوقعت «عالم العروبة والإسلام في حالة يرثى لها من التكلس الفكري والتسيب الحضاري، حالة انتكاس مستدامة تتجلى في انعدام الحريات وفي اكتساب المعرفة الهزيلة، وفي الوضع اللا إنساني لمعظم النساء».
وينتقد زنار المحاولات العقيمة لتجديد التراث العربي الإسلامي التي تبقي الأغلبية رافضة لقيم الحداثة، كالمساواة بين الجنسين وحرية الاعتقاد بانتظار التجديد المزعوم.
وينقل المؤلف بعضا من ما جاء في تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لسنة 2004 والذي يتحدث عن 70 مليون أمي من بين ال280 مليونا، ويتساءل تبعا للتقرير: «هل يحق لنا أن نتباهى بأننا أمة تقرأ في وقت تكشف فيه أحدث الإحصاءات أن الأوروبي يقرأ بمعدل 35 كتابا في السنة، والإسرائيلي 40 كتابا، أما العربي فيقرأ ربع صفحة في السنة؟».
ويرى زنار أن أزمة العرب المزمنة تكمن في عجزهم عن، تشخيص مرضهم وهضم فشلهم». فهم لم يقرؤوا تاريخهم قراءة نقدية تبعد عن تصوراتهم، ما يجعلهم يسقطون عليه «من نفحات خلاصية اسطورية».
وأمام عجزهم عن ابتداع رؤية مستقبلية ؟عصرية تمكن من قراءة الحاضر على ضوء المفاهيم الثقافية المتفلتة من الرهانات الخاسرة والحسابات الصغيرة الضيقة- لا يجدون أمامهم إلا الماضي الذي يتحول ذكرى: «تنفيسا لتلك الروح المكبلة بقيود حرمان الحاضر». ومعتبرا «أن هذا السلوك هو فرار الذات إلى ذاتها لتعويض خسارتها للعالم».
ويسأل زنار «متى يصبح العقل خروجا من الذات لرؤية العالم؟ متى يأتي عصر الأنوار العربي؟ متى يصبح المثقف ضمير المرحلة التي يعيشها والممهد للمرحلة المقبلة؟ متى يكف القوم عن منافقة الوعي المتخلف؟. وبرأيه فإن الجواب على هذه الأسئلة يستعار من الشاعر أدونيس. فالانتصار على الهجمة الدينية الأصولية يستحيل تحقيقه إن لم يكن المثقف العربي نصيرا للعلمانية.
ويخالف زنار الراحل محمد أركون في تصوره للمد الأصولي. إذ يستحيل برأيه «أن تستحوذ الأصولية على الحكم في أي بلد من البلدان، لأن الحداثة قد أزاحت كل الديانات. وهو يؤكد هنا أن «موقف أركون لا ينسجم مع الحقيقة والواقع.
فالأنظمة في المجتمعات العربية بمعظمها، لم تنج من فخ الأصولية، وحال هذه المجتمعات يقارب الحال الذي كانت عليه أوروبا قبل عصر الأنوار ويأخذ المؤلف على المناهج التربوية وآلية التعليم المتبعة في المدارس، دعوتها الطلاب إلى الثأر والجهاد والتطرف وممارسة العنف بكل أشكاله، ويعطي أمثلة على ذلك بباكستان والجزائر.
وهو يشدد في هذا الصدد على انه هكذا سيصعب على المتعلمين تلمس معنى الحرية والمسامحة وقبول الآخر. وفي الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه، يوضح زنار واقع المرأة العربية المزري في بعض المجتمعات العربية، مفندا الارتكابات القمعية الظالمة بحقها، ومنتقدا التابوات السياسية ؟
الدينية المهددة والممارسات العنفية التي لا تقتصر على تسفيه معنوياتها والنيل من روحها وفكرها، بل تتعدى ذلك إلى جسدها، تعذيبا وقتلا، ويعطي الكاتب شهادات عن جرائم الشرف المتنقلة بين المجتمعات العربية.
الكتاب: فصل الكلام في مواجهة اهل الظلام
تأليف : حميد زنار
الناشر: دار الساقي بيروت2009
الصفحات :425 صفحة
القطع: الكبير
بيار شلهوب

