تجمع معظم الدراسات والبحوث، العربية منها والغربية، على أن المخطوطات العربية والإسلامية، لا تزال تحتاج للمزيد من الاهتمام والدقة لجمع شتاتها وترميمها وتحقيقها ودراستها، شرط أن يقترن ذلك بتضافر الجهود وتدريب أعداد كبيرة من الباحثين، إلى جانب ضخ أموال تفي بغرض إنجاز المطلوب.

إيجاد معهد أو مركز عربي متخصص تنصب جهوده على جمع وتحقيق وترميم ودراسة المخطوط وتقديمه للناس، حتى لا تكون المعرفة به مقصورة على المعنيين بالمجال فقط، فيشكل بذلك جزءاً من حركة الثقافة المجتمعية العامة، ما يكفل تقديم معرفة معمقة بمكنون هويتنا وثقافتنا لمختلف الأفراد والجهات والهيئات، بحيث يعيننا هذا في الانطلاق إلى أفق حداثي لا ينفصل عن روح ماضينا، فيستقي منه ويبني عليه لصنع أمجاد وإنجازات تكمل حلقة الحضور والعطاء العربيين والإسلاميين على مر عصور التاريخ.

لا شك أن هذه القضية باتت تتركز راهناً، بمثابة الإشكالية والحاجة المحورية الملحة في بنية مضمون الموروث الفكري والثقافي العربي، ما يملي ضرورة التعاطي معها بأدق أوجه الجدية ودون إهمال أو تراخ، بهدف إطلاق جهود ومشروعات نوعية، تكفل تلافي الخلل الموجود.وتعيننا على استكشاف غنى المخطوطات العربية، وما تحمله من كم معارف وعلوم جوهرية لا زلنا غافلين عنها. فماذا إذاً عن رأي المفكرين والمتخصصين العرب في هذا الصدد؟ وهل يجدون العناية بالمخطوط العربي من قبل الحكومات والمؤسسات العربية المعنية، كافية وتؤدي الغرض المطلوب؟ 1 % فقط يؤكد د. محمد قجة، الباحث والمتخصص السوري في مجال التراث الإسلامي، أن الجهود الحالية من قبل الحكومات العربية في هذا الشأن، غير كافية، ويتابع: «إن هذا الموضوع يحتاج إلى عنصرين أساسيين:

توافر كادر بشري مدرب تدريباً عالياً جداً، وهو ما يتطلب منا إعداد هذا العنصر من خلال الجامعات التي تخصص فروعاً معينة لدراسة التراث». وأما العنصر الثاني فهو الذي يرافق العنصر البشري، أي عنصر التمويل العادي، ولدينا دول عربية غنية جداً ويمكن أن يكون لديها مؤسسات مستقلة في هذا الحقل.

نحن الآن بحاجة إلى هذا الموضوع أكثر من أي وقت مضى، لأن كل الأمم تتمسك بتراثها ولغتها وتاريخها، وبالنسبة لنا فإن هذا التراث هو أغنى تراث لدى كل الشعوب.

ويجب أن نعلم انه يوجد الآن في مكتبات العالم نحو 6 ملايين مخطوط عربي، والمحقق منها والمطبوع لا يتجاوز نسبة 1%، لذلك أركز على هذين الأمرين. نحن مقصرون جداً ومحتاجون إلى تطوير الكوادر البشرية وإلى تخصيص الأموال اللازمة.

وبخاصة في مجالات البحث العلمي في التراث، ففكرة الناس عن التراث هي أنه مجموعة كتب دينية أو أدبية أو شعر، علماً أن تراثنا العربي غني جداً في كل العلوم البحتة والتطبيقية: الرياضيات، الفلك، الزراعة. وهذا ما نحن بأمس الحاجة إليه راهنا.

وأضاف قجة: «إن الحكومات العربية تدعم ترميم وتحقيق التراث بشكل محدود جداً، وللأسف هناك مؤسسات خاصة، مؤسسات مجتمع مدني أو أهلي تقوم بعمل أكثر وأعمق من ذلك الذي تقوم به الحكومات العربية، ولعل الموضوع يتطلب نوعاً من التوعية، إذ إننا بتنا نفهم الحداثة على نحو فحواه وجوب أن ندير ظهورنا إلى الماضي. يجدر أن نعلم أنه لا يوجد أمة تدير ظهرها إلى الماضي أبداً».

طبعاً نحن لا نعيش في الماضي ولكن من خلاله يكون لنا شخصية وندخل إلى الحاضر والمستقبل. إن التمويل في هذا الشأن يمكن أن يكون موجوداً بسهولة، والدول العربية ليست فقيرة على الإطلاق في هذا الميدان.

وهناك أمر مهم يجب أن نعرفه، وهو أن أبرز استثمار على الإطلاق في العالم حالياً هو استثمار الطاقة البشرية في مجال المحافظة على التراث وتحقيقه ونشره».

مركز لعلم ال«كوديكولوجيا»

ومن جهته، يرى الباحث المغربي، أحمد شوقي بنين، مدير الخزانة الحسنية في المغرب، أن العناية بالمخطوط العربي من قبل المؤسسات ليس كافياً، ولكنه طبعاً فكرة جيدة.

وأردف بنين: «كما هو معلوم في إطار ما سمي في القرن العشرين، البحث العلمي، فقد كان هذا العلم عبارة عن محاولات فردية وشخصية، وعندما شاع البحث العلمي تبنته الدولة وأنشأت مؤسساته، ولذلك فإذا فكرنا حالياً بمنحى عناية محددة في مستقبل كتاب التراث من حيث جمعه ودراسته وتحقيقه.

وغير ذلك من مسائل يحتاجها الكتاب المخطوط، فلابد من تضافر جهود وأعمال المؤسسات لإنشاء مراكز وهيئات خاصة بالمخطوط، وهنا أدعو لإنشاء مؤسسة تتخصص بهذا المجال، وهي مؤسسة أو معهد أو مركز يهتم بعلم الكوديكولوجيا، بمعنى مؤسسة تهتم بالكتاب المخطوط وتدرسه باعتباره قطعة مادية، بغض النظر عن النص. وهذه الدراسات المخطوطية أو الكوديكولوجية، هي أساسية وضرورية، قبل أن نهتم بالمخطوط كمتن ونص.

ويشرح بنين طبيعة تصوره لماهية دعم ومساندة الدولة في العالم العربي ضمن هذا المجال: «إن دعم الدولة أمر ضروري وأساسي، ولكنه، بالنسبة والوجهة الموجود فيها حالياً، ليس كافياً، وأنا أقترح أن تتم المبادرة بشكل سريع لإنشاء معهد كبير على مستوى العالم العربي يدرس المخطوط باعتباره قطعة مادية، وذلك من حيث: خياطته، تاريخه، ولادته، خطوطه، جانب اقتصادي، جانب اجتماعي، جانب ثقافي».

آلاف المخطوطات غير معروفة

يتركز وجه الخلل الأساسي في هذا السياق، طبقاً لوجهة نظر المطران يوحنا إبراهيم، رئيس طائفة السريان الأرثوذكس في حلب بسوريا، في قلة عدد الباحثين المتخصصين، وجهل العرب بالنسبة العظمى من مخطوطاتهم، حيث يقول:

«أعتقد أن العرب قصروا جداً في أداء واجباتهم إزاء مخطوطاتهم المنتشرة في كل أنحاء العالم، فحتى الآن هناك آلاف المخطوطات غير المعروفة، منتشرة في مكتبات العالم تتحدث عن هذا الإرث الكبير الذي تركه العرب في مختلف العلوم والآداب.

ولا مفر من أن نعتني بجملة قضايا في هذا الصدد، وأبرزها تجهيز فهارس أو كتالوجات لهذه المخطوطات، توفير أعداد كبيرة مؤهلة من المتخصصين بالمخطوطات».

ولا بد أن نعرف أنه حيث أن الذين يتحدثون عن الفكر العربي والذين ينشرون عنه، في وقتنا الحالي، ليسوا عرباً، بل أغلبهم من الأجانب، وغالبية البحوث بهذا الشأن تكتب خارج المنطقة العربية. وما يدعو للاستغراب هو أن جامعات عربية موجودة في مصر أو لبنان أو سوريا أو الخليج العربي لا تعير هذا الأمر أية أهمية.

وختم المطران إبراهيم حديثه، مشدداً على وجوب مبادرة رجال الأعمال في مختلف الدول العربية، لأخذ زمام المبادرة الذاتية في هذا الخصوص: «إنها مسؤولية مجتمعية مشتركة، وبذا فإنها غير مقصورة على الدولة فقط، ما يعني أن الأغنياء ورجال الأعمال بمختلف شرائحهم، مطالبون بإطلاق مبادرات ومشروعات متخصصة بجمع وترميم المخطوطات.

كما فعل الكثيرون (مثل رجل الأعمال الإماراتي جمعة الماجد)، فرجال الأعمال يتحملون مسؤولية كبيرة برأيي، تجاه هذه المخطوطات، وعليهم أن يعوا جيداً أن إبراز هذا التراث الغني يجب أن يصرف عليه مبالغ كبيرة، وان تخصص هذه المبالغ في سبيل دعم مؤسسات ومكتبات وأشخاص يريدون أن يعملوا فيه.

وأيضاً أود أن ألفت إلى أنه لا مجال أبداً للمقارنة بين الاهتمام الغربي بالتراث العربي، وبين الاهتمام العربي، وأنا أعتقد أن الغرب خلال ثلاثة قرون متواصلة: 15- 16- 17، وحتى في أيامنا هذه، ما زالوا لا يملكون، أو يعرفون حتى بوجود مخطوطات أبحاث مهمة تخصهم، موجودة في مكتبات الغرب.

موضة العناية بالتراث

ويبرز في مواجهة هذه الآراء التي ترى وجود تقصير كبير في العناية بالمخطوطات العربية، رأي آخر مغاير، يمثله د.فيصل عبد السلام الحفيان، منسق برامج معهد المخطوطات العربية التابع للمنظمة العربية للثقافة والعلوم ـ جامعة الدول العربية، حيث يقول:

«أظن أن المخطوط العربي، بات يأخذ حقه التام والكامل من الاهتمام والعناية، إذ هناك تركيز عليه من خلال انتشار المؤسسات والمراكز المعنية بالتراث في كل البلاد العربية، فليس هناك الآن بلد عربي إلا وفيه مركز مخطوطات أو مراكز متخصصة بالمخطوط، سواء الرسمية أو الخاصة.

من المهم أن نعرف أن العناية بالتراث أصبحت الآن (موضة)، إذ أضحت رؤوس الأموال في الخليج وغيره من البلاد العربية، تنصب على العناية بالتراث، وعلى الرغم من كل ذلك فإنني أقول إن التراث العربي المخطوط بخاصة، لا يزال بحاجة إلى عناية أكبر، وهي بحاجة إلى جهد كبير من الباحثين المتخصصين، نحن نريد مزيداً من الجهد على المستويات المختلفة للتراث:

مستوى الاكتشاف، مستوى التحقيق، مستوى التعريف، مستوى توظيف التراث. نحن الآن مازلنا في المراحل الأولى للتراث، بعض الدراسات الأكاديمية الرصينة التي نشرت في العقد أو العقود الأخيرة، أشارت إلى أن كثيراً من ما نكتبه اليوم في التراث، لم يعتمد إلا على جزء ضئيل جدا من التراث.

وهذا معناه أن مقولات التراث اليوم قاصرة وغير علمية وغير دقيقة، ولابد إذن من أن نصل إلى المرحلة الأكمل، وأن نقطع الشوط الأول في خدمة التراث». وحول تصوره للإشكاليات، وماهية منهج تجاوزها، يقول د. الحفيان:

«أنا بالطبع أدرك أن هناك إشكاليات كثيرة في التعرف على هذا التراث، ومنها أن جزءا من هذا التراث بين أيدي الناس، بين أيدي الأسر». ولكن ذلك لا يمنع من أن نبذل جهودا نوعية، وأن نكون مبتكرين في مسألة الإحاطة بهذا التراث والتعرف عليه حتى نستطيع أن نعرفه، فمشكلة كبيرة أن يكون للأمة تراث، ثم لا تعرف هذا التراث.

إن معرفة التراث ليس المقصود بها المعرفة المتخصصة لدى العلماء المتخصصين أو لدى الباحثين المعنيين بهذا التراث، لابد أن ننتقل من مرحلة أنه معرفة خاصة إلى كونه معرفة عامة يعرفها الشباب والتلاميذ في المدارس فضلا عن الجامعات ... إلخ.

وهناك عامل رئيس ومهم في مسألة جهلنا بهذا التراث، وهو الانبهار بالمعرفة الحديثة أو الحضارة الحديثة وبما جاءت به، أظن أنه قد آن الأوان لكي يصبح انبهارا عاقلا، بمعنى أننا نريد أن نعرف أيضا هذا الجزء من التراث، وأنا دائما أقول إن مسألة نهضة الأمة مرتبطة بتراثها، ليس بمعنى أننا نريد أن نرجع إلى الخلف، أو بمعنى أننا نريد أن نعيش في الماضي، ولكن هذا النبت الجديد أو هذه الثمرة الجديدة لابد أن تكون ابنة بيئتها.

لن تكون ابنة بيئتها ويكون لها خصوصيتها إلا إذا رجعنا إلى تراثنا، إلا إذا انطلقنا من هذا التراث، من قراءته وفهمه واستيعابه ثم من توظيفه، عندها ستكون لنا الملامح الخاصة التي تميزنا والتي تعطينا دفعة جديدة، بحيث لا نكون نسخة مكررة أو معادة من الحضارة الحديثة، بذلك يعود إسهامنا كأمة، إلى الحضور الفاعل والمؤثر، وذي الخصوصية، والذي يجعلنا امتدادا لذلك التراث العربي الإسلامي المشرق، والذي لا يستطيع منصف أو عاقل أن ينكر دوره المؤثر والحقيقي في مسيرة الحضارة الإنسانية بعامة.

محمد الحمامصي