تمثل قضية الحفاظ على التراث وإحيائه وتطويره وتطويعه ليواكب متطلبات الحياة الحديثة، أبرز رؤى وأهداف الفنان والناقد التشكيلي الإماراتي، علي العبدان، الذي أنجز عدة أبحاث متخصصة في المجال، ترجمت بشكل سلسة متكاملة، ومنها كتاب« من ماضي الإمارات والخليج».

كما حرص العبدان على أن يوظف فنه وموهبته في الرسم لخدمة التراث، فجعله على الدوام حاضرا بقوة في مختلف لوحاته الفنية، والتي اقتنيت - كما يوضح العبدان- من قِبل أشخاص عديدين وجهات متنوعة. اذا كان لحضور التراث في أعمالك الفنية، أثرٌ في اقتنائها- كما تؤكد- فهل تعتقد أن للتراث ميزة اقتصادية؟أود أن أشير بداية إلى أن علاقتي بالتراث وثيقة، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه كل مَن يحب وطنه. فهو امتثالٌ لتوجيه المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، باني الاتحاد ؟ رحمه الله ؟ حين قال : « مَن لا ماضيَ له ؛ لا حاضرَ له «.وإجابة على سؤالك. نعم، فإن حضور التراث في لوحاتي له كبير الأثر على شعبيتها الواسعة، بل له ميزة كبيرة. إنه يحرك العاطفة القوية لدى الإماراتيين والخليجيين عموما.إلى الماضي البسيط والجميل.

وهو ما يجعل من السلع الشعبية والمنتجات التراثية عاملَ جذب متجدّد وقوي للسياحة في القطاعين، محليا وإقليميا، ولا يكاد يتأثر بالأزمات الاقتصادية، فحين تهبط المشروعات الكبيرة في السوق نتيجة التأثر ببعض الأزمات؛ فإن السلع الاستهلاكية البسيطة. وكذلك وسائل وأماكن الترفيه الشعبية والتراثية هي التي يكون عليها الطلب مرتفعا ومضمونا دائما، وأفضلُ تسويق للتراث هو تفعيله من الناحية التجارية بأرقى مستوى. لذلك أرى أنه يجب ربط الثقافة والفنون والأدب الشعبي بالسوق التراثية لتحقيق الغاية القصوى اقتصاديا.وهنا يجب الانتباه أيضا إلى أن الهدف الأساسي والكبير من وراء استثمار الميزة الاقتصادية للتراث، هو الاستقطاب المركز والمكثف للسياحة المحلية (الإماراتية) والإقليمية (الخليجية)، لأن هاتيْن الفئتيْن من السياح هما الأكثر إنفاقا، والأضمن استمرارا في الإنفاق العام، كما أن ذلك من شأنه أن يدعم ولاء الناس للسياحة المحلية.

وأن يجدد الثقة بمحافظة أية جهة تتبنى هذا الأمر على هُويّتها العربية والخليجية في المجال السياحي والثقافي والتجاري أيضا. تجارب إحياء هل هناك أمثلة ناجحة في هذا السياق؟بالتأكيد. هنالك أمثلة عديدة محليا وإقليميا أثبتت نجاحها الكبير، فعلى المستوى الإقليمي هنالك سوق «واقف» في الدوحة؛ والذي رممت مبانيه وجددت بصورة جميلة، وتم التسويق له إعلاميا بطريقة ذكية، حتى أصبح قِبلة لمحبي الأسواق الخليجية الشعبية من الخليجيين والأجانب.وأما على المستوى المحلي فهناك القرية التراثية في منطقة المارينا في أبوظبي، ولكني أرى أنها ليست كافية بحد ذاتها، لذا فقد اقترحت على الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، حين تشرفت بلقائه، أن يتم التفكير في إحياء سوق أبوظبي الشعبي القديم الذي كان يقع قرب فريج العتيبات على البحر.

وليس من الضروري أن تتم إعادة بنائه في البقعة ذاتها إذا كانت مشغولة اليوم؛ فبالإمكان اختيار مكان آخر أنسب، وقد رحب الشيخ سلطان بهذه الفكرة.

وفي الشارقة يوجد سوق العرصه الذي تم ترميمه، وهنالك مشروع تراثي ضخم ستقوم به مؤسسة شروق في الشارقة لإحياء منطقة الشارقة القديمة بأسواقها وبيوتها التراثية، لتضم فنادق ومطاعم على النمط التراثي.

وفي دبي هناك تجربة القرية التراثية التي أقيمت في منطقة الخوانيج برعاية مركز الأميرة هيا، وكانت تجربة أكثر من ناجحة؛ فقد وجدت الأسر الإماراتية المنتجة، مجالا رحبا لتسويق منتجاتها، وجاءت العائلات من مختلف إمارات الدولة للاستمتاع بالفعاليات، حتى اضطر المشرفون على القرية إلى تمديد فترة الفعاليات.

خطة

هل تملك تصورا خاصا لما ينبغي أن يكون عليه أي مشروع تجاري يتعلق بالتراث أو الحياة الشعبية في الامارات؟

لا شك أنني املك تصور خطة متكاملة في هذا الصدد، فلدي مخطط لمشروع تراثي وشعبي كبير.

وفي ظني الخاص أن هذا المشروع ـ إذا رأى النور ـ سيكون الرافد الأحدث والأكبر للسياحة التراثية في المنطقة ببرامجه الثقافية وفعالياته المحببة إلى الجميع، وسيكون المنافس الأبرز بين الأسواق الشعبية الأخرى ذات السمعة والمكانة في المنطقة، حيث يقصدها الناس بإقبال نوعي، ولكن الظروف الاقتصادية الحالية تحول دون تحقيق هذا الحلم.

الخيال والتسويق التراثي

ما الصفات التي يجب توفرها في من يتولى مهام التسويق التراثي؟

المشرف على المشروع التراثي ينبغي أن يملك الخيال الواسع، والمعرفة العميقة بما ينبغي أن يكون عليه السوق الشعبي من مواصفات تجعله متفرّدا، ومميزا ومحبوبا من قبل جماهير الناس، فالخيال الواسع سيُمكنه من ابتداع الفعاليات.

وتطوير برامج جذب الزبائن، وخلق الإعلانات الشعبية بطرق غير مسبوقة، وكما سيتوفر لديه المقدرة على وضع لمسات تراثية وجمالية مرهفة وبالغة الدقة على مرافق السوق، وأيضا على مجمل نواحي منطقته وما يتبعها من مرافق كالمطاعم والفنادق؛ وذلك لكي يجعلها منطقة ليس لها مثيل حتى بين المشاريع الأحدث والأكثر كلفة.

نورا الأمير