تتركز الجهود في إمارة أبوظبي، حاليا، على جمع ومزاوجة أهمية المتاحف وعراقتها، إلى جانب مختلف عوامل تميزها وفرادتها، من خلال مشروعات إقامة مجموعة من المتاحف تشرف على بنائها شركة الاستثمار والتطوير السياحي، في جزيرة السعديات، على أن يكون لكل منها هدف محدد، لتتلاقى جميعها مكملة نماذج وأوجه النشاط الفني، مشكّلة بالتالي مساحة المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات بأبوظبي.

إن بعض هذه المتاحف سيكون فرعا جديدا عن المتحف الأصلي الذي يوجد في بلد آخر، فبعد «اللوفر باريس» سيعرف العالم «اللوفر أبوظبي»، و«غوغنهايم» في أبوظبي الذي يعد أكبر مرفق لـ «غوغنهايم» في نيويورك، إلى جانب «متحف زايد الوطني» الذي يسرد تاريخ الدولة، وسيرة مؤسسها، و«متحف البحر» الذي يبرز جمالية البيئة الخليجية. «اللوفر» أبوظبي يقام مشروع متحف «اللوفر أبوظبي» على مساحة 42000 متر مربع، وفق رؤية المصمم والمخطط المعماري الفرنسي «جان نوفيل» الذي وزع إبداعه على مجمع من الأجنحة والساحات والممرات والقنوات.

حيث تتلاحم في ما بينها لترسم ملامح مدينة تطفو فوق سطح البحر، وسيعلو مبنى المتحف قبة كبيرة يبلغ قطرها نحو 180 مترا تتميز بخطوط وأشكال مستوحاة من الهندسة المعمارية العربية التقليدية، وهي تسمح بمرور الضوء الطبيعي من خلالها. ويعتبر متحف «اللوفر أبوظبي» أول متحف عالمي من نوعه في منطقة العالم العربي، وستخصص وبين أروقته مساحة قدرها 60 ألف متر لقاعات العرض الرئيسية، على أن يضم مجموعات دائمة وزائرة، من الأعمال الفنية والآثار التاريخية، من مختلف الأشكال والاتجاهات الفنية والحقب.

إذ سيتم تصميم طريقة عرضها حسب مفاهيم محددة ومبتكرة، لتشكل كل قاعة في المتحف، تجربة فنية بحد ذاتها، لا تتشابه مع غيرها من القاعات.على أن تساهم طريقة العرض في إطلاق حوار ثقافي بناء بين ثلاثة أقطاب رئيسية في الحضارة العالمية: من أوروبا وآسيا والحضارة الإسلامية.

ومن المزمع أن يقوم متحف «اللوفر في باريس» وغيره من المتاحف الفرنسية، بإعارة مجموعات فنية لـ «متحف اللوفر أبوظبي»، خلال السنوات العشر الأولى من افتتاحه، على أن يتم تناوب عرض هذه المجموعات وفق جدول زمني يتراوح من ستة أشهر إلى عامين، وهو ما يضمن توفير خبرات فنية وثقافية متجددة للجمهور، في حال تكرار زيارتهم للمتحف.وسينخفض عدد الأعمال الفنية الأساسية المستعارة تدريجيا، بالتزامن مع بناء «متحف اللوفر أبوظبي» لمجموعته الخاصة، على أن يتوقف برنامج الاستعارة في غضون عشرة أعوام.

مع العلم أن «متحف اللوفر أبوظبي» سيخصص مساحة ألفين متر مربع، من القاعات، للمعارض العالمية المؤقتة، والتي سينظمها «متحف اللوفر باريس» والمؤسسات الثقافية الفرنسية الشريكة، على مدار العام.

يضم متحف اللوفر أبوظبي المقرر اكتمال مشروع إقامته في 2012 -2013، مجموعات فنية مهمة من كافة العصور والاتجاهات الفنية وجميع المناطق الجغرافية في العالم، بما فيها المعاصرة، من أجل إظهار تباين الأشكال وحقبها الزمنية، على أن يعرض المتحف مجموعات مستعارة من «متحف اللوفر» في باريس.

ومجموعة من المتاحف الفرنسية، ومنها: متحف دو كواي برانلي، مركز جورج بومبيدو، متحف دي أورساي، فرساي، غوميه، رودين، اتحاد المتاحف الوطنية في فرنسا. وهذا إلى جانب مجموعته الخاصة التي يجري تجميعها حاليا.

نوفيل.. إبداع العمارة

تكاد تكون مواد البناء في العمارة متشابهة جدا، ولكن يتركز الاختلاف في التصميم وطريقة البناء. وفي هذا السياق، كشف المبدع الفرنسي نوفيل عن رؤيته الخاصة في تصميم «اللوفر أبوظبي».

حرصت على تصميم المتحف ليكون بمثابة جزيرة مستقلة تحمل الهوية العربية، والسمات الجغرافية للمنطقة». وحول طبيعة المكان، قال: «أستمتع دائما بتبني المفاهيم المعمارية العريقة، في جميع العصور، وتعديلها ثم إعادة ترجمتها في قالب ومنهج جديدين».

إن ما تتمتع به جزيرة السعديات من خصوصية، كونها يابسة محاطة بمياه البحر من كل صوب، عوامل كان لها الدور الكبير لأن تقود «نوفيل» لإظهار تلك الخصوصية النادرة، وهو يحكي عن ذلك: «أهدف من خلال نوعية التصميم الذي أجريه، إلى تزويد الزوار بخبرات فنية ومعمارية متنوعة ومتباينة، تطرح بحد ذاتها حوارا حرا بين الثقافات، وتغطي قبة على شكل مظلة كبيرة يبلغ قطرها حوالي ثلثي مساحة المتحف.

وهي تحمل البصمة المعمارية التي تميز التصميم المعماري للمساجد والأضرحة، والخانات، وسماتها الأساسية، ذلك لأنها تستند إلى أربعة أعمدة، وتحتضن الماء، مستحضرة بهذا تراثها المعماري العريق، في قالب هندسي معاصر.

إذ تنخفض خطوط القبة بصورة حادة، لتتلاحم مع مكونات المتحف، وتمتزج بالضوء». وأضاف نوفيل: «إنها أجواء خاصة تنطلق من المفاهيم الخلاقة، التي اختبرتها الهندسة المعمارية العربية العريقة، ومنها التحكم في الضوء وهندسته، وهيكلة الظل، والموازنة بين ارتفاع وانخفاض حرارة أجواء المتحف. وفتح آفاق جديدة للاكتشاف والتعلم».

ويختصر نوفيل وصفه لمكونات هذا العالم الفني المعماري: «هي مدينة على شبه جزيرة مطلة على بحيرة، وتستخدم الظلال على الماء لخلق أجواء مناخية فريدة تتسلل منها الرياح تحت القبة».

تزاوج القبة في المتحف بين الخطوط والأشكال الهندسية الفريدة للموزاييك، وتعتبر أحد المكونات التقليدية الأصيلة والرئيسية في تقاليد الفنون التشكيلية الشرقية، والتي تقدم في الوقت ذاته، نظام تكييف هواء طبيعي، بينما تسمح الثقوب الموزعة بصورة تبدو تلقائية، ولكنها مصممة بتتابع هندسي دقيق، تسمح للضوء أن ينفذ بحرية إلى المتحف.

كما صممت الممرات المظللة للزوار بطريقة تضمن التحكم في درجة الحرارة دون حجب الضوء الطبيعي، وتساهم إشعاعات الضوء التي تخترق القبة، بإظهار صورة «التعريشات» التقليدية التي تترك ظلالها على الجدران، وتنثر الضوء الخفيف عبر أسواق وأزقة المتحف، وينتشر هذا الظل ويتحرك تكتيكا لتوفير أكبر قدر من الضوء، بينما تصبح هذه المنطقة ليلا، واحة للضوء تحت قبة لامعة.

وسيحظى جزء كبير من مجمع المتحف بالظلال، من خلال هذا النظام الذي يستحضر التراث والحواضر العربية العتيقة، ويبدو التصميم العمراني والهندسة، عمليين وعفويين في وقت واحد، وذلك في لوحة ساحرة تتألف من مجمع من الغرف هي مثل حي داخل مدينة، وهو يضم حوالي 30 مبنى، على امتداد جادة طويلة. ويتراوح ارتفاع هذه الأبنية مبين 4 و10 أمتار. وهي ستكون ذات واجهات متعددة، وستقود بواباتها إلى ممرات ومناطق مختلفة.

المنطقة الثقافية في السعديات

تعد المنطقة الثقافة في جزيرة السعديات أكبر تجمع ثقافي في العالم للمؤسسات الثقافية، وتضم إلى جانب متحف «اللوفر أبوظبي»، متحف زايد الوطني ومتحف غوغنهايم أبوظبي والمتحف البحري ودار المسارح والفنون.

ولكل من هذه الأماكن دور ومهمة معينين، فمتحف زايد الوطني سيكون تكريما للإرث الذي خلفه، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، ويركز المتحف الذي تبلغ مساحته 12 ألف متر مربع على الثقافة المحلية، والإقليمية، وسيحتضن المعارض الفنية.

وبشكل فردي تراث وبيئة الإمارات، ومراحل تحول الإمارة، والاتحاد، والقيادة والتعليم. وسيرفق بالمتحف الذي صممه «فوستر أند بارتنرز» بتوجيه من لورد نورمان فوستر، مركز تعليمي ومتحف ومحلات تجارية ومقهى ومنطقة لخدمة الزوار.

كما صمم مبنى دار المسارح والفنون، ليناسب ويوائم استخدامات متعددة، مثل استضافة الحفلات الموسيقية الكلاسيكية والمعاصرة، وحفلات الأوبرا، والعروض المسرحية. وهو يضم أكاديمية للفنون ترعى المواهب المحلية والإقليمية.

وفي المحصلة يجتمع في هذا المبنى الذي صممته المعمارية البريطانية عراقية الأصل، زها حديد، خمسة مسارح وقاعة للموسيقى ودار للأوبرا ومسرح للأعمال الدرامية، إضافة إلى مسرح تصل قدرته الاستيعابية إلى 6300 متفرج.

ومن أجواء الموسيقى إلى أجواء البحر، وذلك عبر أروقة «المتحف البحري» المخصص للتراث البحري الخاص بمنطقة الخليج العربي، والذي سيكون بمثابة عامل ملهم للحفاظ على البيئة البحرية. ويشتمل هذا المتحف الذي صممه تاداو آندو، على سطح عاكس يدمج بين البحر والبر، وعلى ديكور داخلي وتصاميم للسفن، مع أسطح عائمة.

وأخيرا سيقدم متحف غوغنهايم، الفن الحديث والمعاصر، من خلال مجموعة من الأعمال الفنية التي توفرها مؤسسة ومتحف غوغنهايم، إلى جانب عدد من المجموعات الفنية التي سيعرضها المتحف بشكل دائم، وسيكون «غوغنهايم أبوظبي» أكبر مرفق لـ «غوغنهايم» على مستوى العالم.

وسيشمل هذا المتحف بمساحته البالغة 42 ألف متر مربع، 12 ألف متر مربع من المساحات المخصصة لعرض المجموعات الفنية الدائمة، والمعارض الفنية الخاصة، ومركزا للفن والتكنولوجيا، ومنشآت لتعليم الفن للأطفال، بالإضافة إلى الأرشيفات والمكتبة، ومركزا للأبحاث، ومختبرا معاصرا للحفاظ على الأعمال الفنية.

عبير يونس